ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [النساء : ٤٨].
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ).
أي : هو أعلم بكم ، وبأحوالكم ، ووقوعكم فيها على السهو والغفلة ، عفا عنكم ؛ أي : عن اللمم.
وعلى قول أبي بكر : (إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) لمن تاب عنها ، و (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) أنكم تتوبون عنها.
وعندنا : أن ربك هو واسع المغفرة لمن شاء ، تاب عنها أو لم يتب.
ثم إن كانت المغفرة هي الستر ، فهي تعم المؤمن والكافر في الدنيا ، وإن كانت التجاوز فهي للمؤمنين خاصة ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) عندنا : هو أعلم بكم بأنكم تعملون وتقعون فيها عن السهو والغفلة.
أو هو أعلم بأحوالكم وأفعالكم ، وما يكون منكم ، (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) ما لو اجتمع حكماء البشر ما أدركوا معنى الإنسان في ذلك ، ولا أدركوا معنى تصوير اليدين ، والعينين ، وغيرها من الجوارح وقت كونكم أجنة في بطون أمهاتكم.
ثم نسبتنا إلى الأرض بقوله ـ تعالى ـ : (مِنَ الْأَرْضِ) تحتمل وجهين :
إما لخلق أصلنا من الأرض ؛ كقوله : (أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) [الروم : ٢٠] ، ونحوه.
أو لجعل أقواتنا منها ؛ لقوله ـ تعالى ـ : (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها) [فصلت : ١٠] ؛ إذ لا قوام لنا إلا بذلك الغذاء والقوت الذي يخرج من الأرض ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) في ظاهر الآية نهى عن التزكية ، وأمر في آية أخرى بالتزكية ورغب فيها ؛ حيث قال : (وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) [البقرة : ١٥١] ، لكن فيما أمر بالتزكية أمر بإصلاح أنفسهم في أنفسهم وتزكيتها فعلا ، وفيما نهى عن التزكية نهى عن أن يصفوا أنفسهم بالتزكية والصلاح والتقى والبراءة ، لعل ذلك ليس بتزكية في الحقيقة.
أو يكون فيهم من الفساد ما لا يستحق التزكية والوصف بالبراءة ، والله أعلم.
فإن قيل : إن الله ـ تعالى ـ لما نهانا عن التزكية ، فكيف جاز لنا أن نقول لأنفسنا : إنا مؤمنون ومسلمون ؛ إذ ذلك مدح وتزكية.
قيل : إنا أمرنا بقول الإيمان والإسلام ابتداء حيث قال : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ...) الآية
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
