أحدها : أن يقول : أهؤلاء الذين تعبدونهم ـ من اللات والعزى ومناة ـ أخبروكم ، وقالوا لكم : إنه اصطفى لنفسه البنات ، ولكم البنين ، وأن الملائكة بنات الله ، ونحوه؟ أخذتم ذلك منها أو ممن أخذتم ذلك ، وأنتم قوم لا تؤمنون بالرسل والكتب؟ وقد عرفوا أنها لم تخبرهم بذلك ، فيذكر بذلك سفههم ، ويقول : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) التي سميتموها : آلهة ، وعبدتموها دون الله ، ونسبتكم البنات إليه ، والبنين إلى أنفسكم ، ثم لم يذكر جوابها : أنه من أمرهم بذلك؟ ومن اختار لهم ذلك؟ أو ممن أخذوا ذلك؟
ثم قال : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ...) الآية ؛ كأنه يقول والله أعلم : إنكم سميتموها : آلهة ، واخترتم لأنفسكم البنين وله البنات بلا سلطان ولا حجة لكم ، إنما هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم بلا حجة ولا سلطان ، إنما هو هوى النفس والظن.
ويحتمل أن يقول : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ، أمروكم بصرف شكر ما أنعم الله تعالى عليكم ، وقبول ما وهب لكم من البنات ؛ على ما أخبر أنها من مواهب الله بقوله تعالى : (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) [الشورى : ٤٩] وبرد مواهبه ، ودفنها حيات ، ودسها في التراب ، وبصرف العبادة إلى غير المنعم ، وقسمة البنين لأنفسكم والبنات له.
ثم أخبر ، وقال : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) أي : تلك قسمة جور وظلم ؛ أي : صرف شكر المنعم إلى غير المنعم ، وتوجيه العبادة [إلى] من لا يستحقها ، ورد مواهبه.
على هذه الوجوه يشبه أن تخرج الآية ، وإلا فلا ندري بظاهرها : ما تأويلها؟ وما جواب هذا الحرف؟ والله أعلم.
ثم قوله : (اللت) قرأ مجاهد وغيره مشدد التاء ، فقالوا : هو رجل كان يقوم على آلهتهم ، ويلت لها السويق بالزيت ، فيطعمه الناس.
وروى ابن الجوزي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : «كان يلت السويق للحاج» (١).
ومن قرأه مخفف التاء جعله اسم الصنم ؛ مثل : العزى ، ومناة ، وهي آلهة كانوا يعبدونها ؛ ذكر قتادة في تفسيره : كان اللات بالطائف ، والعزى ببطن نخلة ، ومناة
__________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٥٩) وابن جرير (٣٢٥٤٠) وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٦٣).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
