بقديد (١).
وقوله ـ عزوجل ـ : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى).
قال القتبي : هي في الأصل «ضيزى» على وزن «فعلى» ، فكسرت الضاد للياء ، وليس في النعوت «فعلى» ؛ أي : قسمة جائرة.
وقال أبو عوسجة : ضيزى أي : غير منصفة ، والضيز في الأصل : الجور.
وقال أبو عبيدة : ناقصة.
وقال بعض الناس : إن النبي صلىاللهعليهوسلم لما تلا قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه : «تلك الغرانيق العلى ، [وإن] شفاعتهن لترتجى ، ومثلهن لا تنسى» (٢).
ثم قال بعضهم : الغرانيق العلى : الملائكة.
وقال بعضهم : الأصنام التي يعبدونها على رجاء الشفاعة لهم بقولهم : (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) [يونس : ١٨].
لكن لا يحتمل أن يقول النبي صلىاللهعليهوسلم ، أو يجري على لسانه ما ذكر ، والله ـ تعالى ـ قال : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) [الحاقة : ٤٤ ـ ٤٧] ولو جاز أن يجري على لسانه ، لتوهم منه التقول ، وذلك بعيد ، وقال في آية أخرى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) [النساء : ٦٥] ، ولو جاز ذلك ، لجاز أن يجري الله الكذب على لسانه ؛ فلا يكون فيمن وجد من الحرج في قضائه ما ذكر ، وهو الكفر ؛ دل أن ما ذكروه فاسد ، فإن ثبت ما ذكر : أنه جرى على لسانه تلك الكلمات ، أو ألقى الشيطان في فمه يريد بذلك : الغرانيق العلى شفاعتهن لترتجى عندهم وفي زعمهم ، وهو كقول موسى ـ عليهالسلام ـ : (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً) [طه : ٩٧] أي : إلى إلهك الذي هو عندك إله ، وإلا لا يحتمل أن يكون موسى ـ عليهالسلام ـ يسمي العجل : إلها ، وكقوله ـ تعالى ـ : (فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ) [الصافات : ٩١] أي : إلى آلهة عندهم ، وقوله ـ عزوجل ـ : (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) [القصص : ٦٢] أنها شركائي ، فقد ذكرنا هذا على التمام في سورة الحج في قوله ـ عزوجل ـ : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ...) الآية [الحج : ٥٢] ، والله أعلم.
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير (٣٢٥٣٣) ، (٣٢٥٤٤).
(٢) تقدم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
