وقال أبو عبيد : ما كذب في رؤيته ، قد صدقت.
ومن قرأ بالتشديد ، أي : لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا.
وعندنا : أي : ما رد الفؤاد ما رأى البصر ، وأصله : أن الفؤاد مما يوعى به ، يقول : قد وعى به ما رأى لم يتركه ، ولم يضيعه.
وقيل : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) ؛ أي : ما علم ، والرؤية : كناية عن العلم ، لكن لو كان المراد منه : العلم فلا يحتمل ما ذكر (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) ، ولا يتصور أن يعلم مرتين ؛ وكذا ذكر أنه رأى ربه مرتين ، ولا يحتمل العلم مرتين ؛ فدل أن الحمل على العلم لا يصح.
وأصله عندنا : ما كذب الفؤاد ما رأى من الآيات ؛ دليله ما ذكر في آخره :
(لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) وقال : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى).
وعن الحسن : أي : رأى عظمة من عظمة الله ، وأمرا من أمره.
وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : «رأى جبريل ـ عليهالسلام ـ على صورته مرتين» ، أي : ما كذب الفؤاد ما رأى البصر جبريل ـ عليهالسلام ـ ولقد رآه أيضا مرة أخرى عند سدرة المنتهى.
ومنهم من قال (١) : إنه رأى ربه على العيان بعينه ، فهو خلاف ما ثبت من وعد الرؤية في الآخرة بالكتاب والسنة المتواترة ، ولأنه لو رأى ربه تعالى على ما قالوا ، لكان لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى ؛ لأن رؤية الآيات إنما يحتاج إليها عند ما يعرف الشيء بالاجتهاد ، فأما عند المشاهدة وارتفاع الموانع ، لا حاجة تقع إليها ، إلا أن يقال برؤية القلب على ما ذكر في الخبر : أنه سئل عن ذلك ، فقيل : هل رأيت ربك؟ فقال : «رأيته مرتين بقلبي» (٢).
وفي بعض الأخبار قال : «أما بعيني فلا ، وأما بفؤادي ، فقد رأيته مرتين» (٣).
ويفسرون رؤية القلب بالعلم ، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا ؛ فإن ثبت الحديث فهو
__________________
(١) منهم عبد الله بن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٢٤٨٩) والترمذي وحسنه ، والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٥٩) وذكر له طرقا أخرى فانظرها ، وهو قول عكرمة أيضا.
(٢) أخرجه مسلم وأحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس من قوله بنحوه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٥٨).
(٣) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي عن بعض أصحاب النبي صلىاللهعليهوسلم ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٦٠).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
