على ما كان وأراد ، لا يفسر ذلك ، وكذلك قول من يقول في قوله تعالى : (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) : إنه دنا من ربه ـ قول وحش ، فيه إثبات المكان والتشبيه ؛ تعالى الله عن ذلك ، ولكن المراد ما ذكرنا : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم دنا من جبريل ـ عليهالسلام ـ على ما ذكرنا.
ثم في قوله تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى) ، وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ...) إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا صلىاللهعليهوسلم من بين غيره من الخلائق ، منها : رؤية جبريل ـ عليهالسلام ـ على صورته ، ورؤية الرب تعالى بقلبه ؛ إن ثبت الحديث عنه ، وبلوغه إلى سدرة المنتهى ؛ إذ لم يذكر لأحد من رسل الله تعالى : أنه بلغ هذا المبلغ سواه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى).
عن ابن مسعود وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنهما قرءا مفتوحة التاء بغير ألف ، ومعناه : أفتجحدونه؟!.
وعن الحسن بالألف مضمومة التاء ، وقال : معناه : أفتجادلونه؟!
وعن شريح مثله.
قال أبو عبيد : فالأولى أن يقرأ بمعنى الجحود ؛ وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود فيما يأتيهم من الخبر السماوي ، وهو أكبر من المماراة والمجادلة.
وقيل : (أَفَتُمارُونَهُ)(١) أي : تشككونه على ما يرى؟
وقال أبو بكر الأصم : لا تصح القراءة بغير ألف ولا تأويله ، إنما القراءة بالألف ، وتأويله : أفتجادلونه؟!
ونحن نقول بأن تأويل ما ذكر من الجحود والقراءة صحيح ، وتأويل من قال : أفتجادلونه على ما يرى؟! لا يحتمل ؛ لأن مجادلتهم لا تكون فيما يرى ، لكن يجادلونه على ما يخبر أنه يرى ، إذ في الخبر يقع التكذيب ، وبه يجادلونه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى).
فهو على ما ذكرنا من اختلاف الناس أن ما أيش هو؟ والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى).
قيل (٢) : سمي ذلك الموضع سدرة [المنتهى] لما انتهى إليه علم الخلق ؛ فلا يجاوزه.
__________________
(١) في أ : أفتمرونه. ولعل «التشكيك» على القراءة بالألف.
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٢٤٩٠) ، (٣٢٤٩١) وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طرق عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ١٦١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
