وغلظها ؛ ليعلم أن من فعل هذا ، لا يفعله لغير شيء ؛ بل ليمتحن ، ويأمر ، وينهى ، وليستأدي شكره ، فمن خالف أمره ونهيه ، وكفر نعمه ، وانتهك محارمه ، استوجب ما ذكر ، والله أعلم.
وليعلم أن من قدر على ما ذكرنا قادر على كل شيء ، لا يعجزه شيء ، يذكر سلطانه وقدرته وعظمته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).
قال أهل الأدب : هو البحر الملآن الحار ؛ لأنه ـ جل وعلا ـ منذ أنشأه ، أنشأه حارّا ممتلئا ، عميقا ، لم يتغير في وقت من الأوقات ، ولا في حال من الأحوال ، بل كان على حالة واحدة حارّا ، مالحا ممتلئا عميقا عريضا ، ليس كسائر الأنهار التي ربما تتغير عن جهتها من قلة الماء وسكونه وغورها في الأرض وامتلائها من الطين ، وحاجتها إلى الحفر ، وغير ذلك من التغير الذي يكون بها ، فأما البحر على حالة واحدة في الأحوال كلها ، فأقسم به : (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ) ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً. وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً).
بين الوقت الذي ينزل بهم العذاب الموعود حين قال : (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ) ، ودل أن وقت تعذيب هذه الأمة يوم القيامة ، وهو ما قال ـ عزوجل ـ : (وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) [القمر : ٤٦].
وفيه وصف ذلك اليوم بالأهوال والشدة ؛ لأنه تعالى ذكر أن السماء تمور مورا ، أي : تستدير استدارة ، وتتحرك تحركا ، وذكر سير الجبال وما ذكر ، وهذه الأشياء من أشد الخلائق وأصلبها ، فهول ذلك اليوم وشدته عمل فيها ما ذكر من التحرك والسير والتغير وغير ذلك.
وفيه أن هذا العالم كله أنشأه بحيث يفنيه وينشئ عالما آخر ؛ لأنه ذكر فيه التغير من حال إلى حال ؛ لأنه ذكر مرة سيرها وتحركها حيث قال : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ) [الكهف : ٤٧] ، وذكر السماء وتحركها ومورها ، وذكر للأرض انشقاقها ، حيث قال : (وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ) [مريم : ٩٠] ، وقال في آية أخرى : (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) [القارعة : ٥] ، وقال : (يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) [طه : ١٠٥] ، وقال هاهنا : (وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) ، وكذلك قال في السماء والأرض اختلاف الأحوال ، فقال : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) [الأنبياء : ١٠٤] ؛ فدل إثبات التغير في هذه الأشياء على هلاكها ، كما دل أنواع الأمراض والتغير من حال إلى حال في أهلها على هلاكها ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ...) الآية ، أي : المكذبين لرسلهم ،
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
