[التكاثر : ٦] فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة ، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات ، ويرونها بعيدة من أنفسهم ، فذكر الله ـ تعالى ـ التقريب لهم ، ووعدهم بذلك ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (غَيْرَ بَعِيدٍ) أي : غير بعيد منهم ، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة ، والله أعلم.
والثاني : أي : على بعد منهم في الدنيا ؛ أي : يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب ؛ لأن كل آت فكأن قد أتى ، والله أعلم.
ويحتمل : أي : غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه ؛ بل قريب منهم ، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) الأواب الرجاع ، من الأوبة ، وهي الرجوع ؛ فمعناه : لكل رجاع إلى الله ـ تعالى ـ في كل وقت ، أو رجاع إلى أمره وطاعته.
وقوله ـ عزوجل ـ : (حَفِيظٍ) أي : يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّا وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة : ٢] و (لِلْمُحْسِنِينَ) [لقمان : ٣] إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر ، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) أي : خاف وحذر بما أوعد.
ثم يخرج على وجهين :
أحدهما : (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) أي : قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.
والثاني : أي : من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها ؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد وخافه وهو كقوله ـ تعالى ـ (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران : ٢٨ ـ ٣٠] أي : عقوبته ونقمته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) والمنيب : هو المقبل على الله تعالى بجميع أوامره ونواهيه ، المطيع له في ذلك كله.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ادْخُلُوها بِسَلامٍ) كأنه على الإضمار ، أي : يقال لهم : ادخلوها بسلام الملائكة : أي : تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة ؛ كقوله : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر : ٧٣].
والثاني : السلام : هو اسم من أسماء الله تعالى فيقال لهم : ادخلوها باسم الله تعالى
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
