لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) [الحشر : ٢١] ، وكذلك قوله ـ عزوجل ـ : (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) [الأنعام : ٧٠] وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها ؛ فعلى ذلك هذا ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) يخرج على وجهين :
أحدهما : هل بقي من أحد يزاد فيّ فإني قد امتلأت ، وليس فىّ سعة تحتمل غيرهم.
والثاني : (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أي : فيّ سعة عظيمة ، فهل من زيادة خلق أمتلئ بها؟ لأن الله ـ تعالى ـ وعد أن يملأ جهنم ، كما قال : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود : ١١٩] فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ ، والله أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد ، وروي خبر عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلىاللهعليهوسلم في ذلك ، وأنه فاسد ، وقول بالتشبيه ، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه ، فكل خبر ورد مخالفا للدلائل العقلية يجب رده ، ومخالف لنص التنزيل ، وهو قوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى : ١١] ثم هذا القول على قول المشبهة ـ على ما توهموا ـ مخالف للكتاب ؛ لأن الله ـ عزوجل ـ قال : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود : ١١٩] وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.
ثم ذكر البلخي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة ، وكان خرفا مفندا في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه ، مع ما روي في خبر أنس ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «يأتي الله ـ تعالى ـ ببشر فيضع في النار حتى تمتلئ» فهذا يحتمل ، لا ما رووا ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي : قربت ، وذكر في آية أخرى : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) [الزمر : ٧٣] ذكر ـ هاهنا ـ تقريب الجنة إلى أهلها ، وذكر ثمّ سوق أهل الجنة إليها ، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر ، ولكن يحتمل وجهين :
أحدهما : أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم ؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخر قرب الآخر منه ، ويزول البعد بزوال المسافة ، وذلك معروف.
ويحتمل أن يكون إخبارا عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف ، ذكر في الجنة التقريب ؛ وفي النار البروز والظهور بقوله ـ تعالى ـ : (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ) [الشعراء : ٩١] فهو ـ والله أعلم ـ أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها ، وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها ، وهو كقوله ـ عزوجل ـ : (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ)
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
