ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب ، ولكن باللسان والقول ، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم ، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا ، وهم يقولون : بل قد آمنوا.
فيقال لهم : (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ) [البقرة : ١٤٠] ، (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) [يونس : ٥٩].
وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته ؛ حيث قال له : (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) وقد قال لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذلك ، ولم يتهيأ لهم إنكار ذلك القول ، فعرفوا أنه بالله عرف ذلك ، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفا من السيف ليعرف النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً) جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر الحديبية مع المؤمنين ؛ حيث قال : (سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) [الفتح : ١٦] وما ذكر من أمرهم في غير آي من القرآن ، يقول : (وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً) يقول : إن تطيعوا الله ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت لكم شيئا ، والله أعلم.
ويحتمل وإن تطيعوا الله ورسوله بعد وفاة رسول الله صلىاللهعليهوسلم لم يلتكم من أعمالكم شيئا ، أي : لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من قبل ، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد ، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في حياته ؛ لأنه قال : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) [التوبة : ٨٣] قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو أبدا ، فيقول : إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل الله لم يلتكم من أعمالكم شيئا ؛ بل يقبل ذلك منكم ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون في المنافقين ، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا تابوا وأطاعوا الله ورسوله ، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن الكفر بقوله : (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) [الأنفال : ٣٨] فعلى ذلك هذا ، وهو كقوله تعالى : (لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) [الأحزاب : ٢٤] ، والله أعلم.
قال بعضهم : هذا في جميع المؤمنين : إن من أطاع الله ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئا ؛ أي : لا يضيع أعمالكم ؛ بل يثيبكم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) [فاطر : ٢٩] أي : من عمل لله لا يضيع ، ومن عمل لغيره قد يضيع ، فلا يظفر
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
