الحقيقة كيلا تصيبوا قوما بجهالة ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) فإليه الرأي والتدبير في الأمور ، ومن رأيه وتدبيره يجب أن يصدر ، لا عن رأي أنفسكم وتدبيركم ، وعلى ذلك يخرج قوله : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) [آل عمران : ١٠١] على الوجوه التي ذكرنا ، والله أعلم.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) أي : لو يطيعكم فيما تدعو إليه أنفسكم من التمويهات والشبهات وهواها.
أو يقول : لو يطيعكم في الصدور عن آرائكم وتدبيركم في الأمور لعنتم ، ثم قال : (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) هذا في الظاهر كناية غير موصولة بقوله : (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) ؛ لأنه لا يليق ذلك إلا على الإضمار ، كأنه يقول : لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ، وإن الله قد أرسله إليكم رسولا ، وحبب إليكم الإيمان به وزينه في قلوبكم حتى صار هو في قلوبكم أحب من أنفسكم ومن كل شيء ، فالواجب عليكم أن تصرفوا الأمر إلى رأيه وتدبيره ، وأن تصدروا عن رأيه ، ولا تعتمدوا على رأي أنفسكم وتدبيركم ، والله أعلم.
ويحتمل : أي : لا تدعوه إلى أن يطيعكم فيما تهوى به أنفسكم ، واشتهت بعد ما حبب الإيمان إليكم وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر وما ذكر ، والله أعلم بحقيقة جهة وصل هذا بالأول.
ثم يحتمل وجهين أيضا :
أحدهما : لو يطيعكم الرسول في كثير من الأمر لعنتم ، و [لكن] الله ـ تعالى ـ ألزمكم طاعته في كل أمر ، فأطيعوه ولا تطلبوا منه طاعته إياكم في الأمور ، ولكن أطيعوه أنتم في الأمور كلها ، وقد حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ، وكره إليكم الكفر والفسوق ـ وهو الخروج عن أمره ـ والعصيان.
والثاني : يشبه أن يكون موصولا بقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) [الحجرات : ٣] ، و (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ) ، ثم قال الله ـ عزوجل ـ : (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) كأنه يقول : أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، وحبب إليهم [الإيمان] وزينه في قلوبهم ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) ، أخبر وشهد لهم بالرشاد ، وأخبر أن ذلك فضل منه إليهم ونعمة ، لا شيء كان منهم استوجبوا
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
