ظهر له منهم زلة وجناية حين طلبوا منه إرساله ولده يوسف ـ عليهالسلام ـ في الرعي ؛ بل قال هنالك : (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ) [يوسف : ١٣] إنما اعتل عليهم واحتج بأكل الذئب ولم يتهمهم فيه بما لم يكن ظهر له منهم زلة وجناية ، فلما ظهر ذلك منهم اتهمهم ، وأخبر أنه لا يأمن عليهم بما ظهر له من زلتهم ؛ فدل أن التهمة سبب الردّ ، وأنه يجب التثبت بدفع الجهالة من حيث الظاهر ، لا للحقيقة ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) أي : نادمين بما فعلوا على خلاف ما كان في الظاهر ، ويندمون لما تركوا التثبت في الخبر.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) أي : لأثمتم.
من الناس من احتج بهذه الآية على أن الإجماع ليس بحجة ، وقالوا : لو كان لإجماعهم [حجة] لكان لا يأثمون لو أطاعهم في كثير من الأمر ؛ لأن الحق والصواب مما لا يوجب الإثم لصاحبه فيمن تبعه في ذلك الصواب ، ولكن إن كان لا يوجب الثواب دل أنه ليس بحجة يجب اتباعه.
ولكن هذا فاسد ؛ لأن الحجج والبراهين لم تكن انتهت يومئذ غايتها ، ولا أتت على نهايتها ، فالإجماع الذي هو إجماع حجة عندنا ويجب اتباعه والانقياد له هو إجماع من استوعب الحجج والبراهين ، وأتى على عامتها ، أو على الجميع ، وكان الوقت وقت نزول الوحي ، وإنما تستقر الأحكام بوفاة رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما ينقطع الوحي ؛ فيستدل على استيعاب الحجج ونزول جميع ما يحتاج الناس إليه من حيث الإيداع في النصوص ، فمتى اجتمعوا على ذلك يكون حجة ، ولأنه لا إجماع يتحقق دون رأي رسول الله صلىاللهعليهوسلم وإذا وجد رأيه استغنى عن رأي الغير ؛ لما كان ينطق عن الوحي ، فإذا لم يكن وقت رسول الله صلىاللهعليهوسلم زمان انعقاد الإجماع حجة فبطل استدلالهم بالآية.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) أرسل إليكم ليزيل عنكم إشكالكم وشبهاتكم ، فلا عذر لكم في الكفر واعتراض الشبه لكم بما تقدرون أن تسألوه ما أشكل عليكم واشتبه ، فيخبركم بذلك فيزيل الشبه عنكم.
والثاني : يحتمل : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) يطلع الله ـ تعالى ـ إياه على ما تضمرون في أنفسكم ، وما تولدون من الأخبار التي لا أصل لها ولا أثر ما [لو] أظهر ذلك لافتضحهم ، وهو صلة ما ذكر من قوله : (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) ، والله أعلم.
ويحتمل : أي : فيكم رسول الله تسألونه ما أشكل عليكم ، فيخبركم بالحق والأمر على
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
