ويحتمل أن يكون ذلك وصف بعضهم دون بعض ، أو وصف عامتهم ، فأما الكل فلا ، وذلك نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حيث قال : لو لا قوله ـ تعالى ـ : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) [آل عمران : ١٥٢] ما كنا نعرف أحدا من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يريد الدنيا ، فإنما يكون ذلك وصف أمثال عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه.
ثم قد جعل الله ـ تعالى ـ الرحمة والرأفة نعتا للمؤمنين ، يتراحم بعضهم بعضا ، وكذلك روي في الخبر عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا» قالوا : كلنا نتراحم ولده ، فقال : «ليس ذلك برحمة ، إنما الرحمة أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولولده» ، أو كلام نحوه.
وروي عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المؤمنون كلهم كرجل واحد ، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» ، وليس فيما وصفهم بالشدة على الكفار [دليل] على أن ليس لهم شفقة عليهم ، فإن النبي صلىاللهعليهوسلم له شفقة عظيمة عليهم ، حتى كادت تهلك نفسه ، لذلك قال الله ـ تعالى ـ : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) [فاطر : ٨] ، وقال : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء : ٣] فعلى ذلك أصحابه ، رضوان الله عليهم أجمعين.
ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة ، وإن كان في الظاهر ليس برحمة ؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد ، وفي قبولهم ذلك نجاتهم ، وما وصفهم بالرحمة على المؤمنين ، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم ؛ بل من الشفقة لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر ؛ إذ في ذلك نجاتهم ، وذلك لا يزيل عنهم الرحمة التي وصفهم بها ؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة ، والله أعلم.
ثم نعتهم وقال : (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) يحتمل وجهين :
أحدهما : وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات ، وأراد بالركوع والسجود : هو الصلاة على طريق الكناية.
والثاني : عبارة عن الخضوع لربهم ، والتواضع للمؤمنين ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً) يحتمل قوله : (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
