يكون الذي حملهم على ذلك هو نصرهم أولئك الأصنام وعبادها ، والذب عنهم حمية الجاهلية ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) جائز أن يكون ما ذكر من السكينة التي أخبر أنه أنزلها على رسوله ومن ذكر : هو شيء أنزله من السماء ؛ لطفا منه عليهم حتى سكنت لذلك قلوبهم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة إنزال شيء من مكان إلى مكان ، ولكن أنشأ في قلوبهم ما يسكن به قلوبهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) [الزمر : ٦] أي : أنشأ لكم من الأنعام ما ذكر ، وخلقها لهم ، ليس أن أنزلها عليهم من مكان إلى مكان ، ولكن على الإنشاء والخلق ، فعلى ذلك الأول ، والله أعلم.
ثم السكينة تحتمل أسبابا له بها تسكن قلوبهم وأنفسهم ، والأسباب تختلف.
ويحتمل شيئا آخر سوى ذلك ، وهو اللطف الذي جعل لهم ، فسكن قلوبهم بذلك اللطف ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها).
يحتمل هذا وجهين :
أحدهما : ألزمهم كلمة بها يتقون النار.
ثم يحتمل (كَلِمَةَ التَّقْوى) : كلمة الإخلاص وغيرها وما يقيهم النار ، والله أعلم.
ويحتمل قوله : (وَأَلْزَمَهُمْ) : إظهار كلمة التقوى حتى تصير ظاهرة في الخلق أبدا إلى يوم القيامة ، والله أعلم.
وقال بعضهم (١) : (كَلِمَةَ التَّقْوى) هي «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وذلك أنه لما كتب كتاب الصلح فيما بين أهل مكة وبين رسول الله صلىاللهعليهوسلم كتب : «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقال ذلك : اكتب كذا ، لا ندري ما الرحمن الرحيم. وذلك كلمة التقوى ، والله أعلم.
والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله : (وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها) أي : بتلك الكلمة ، وكانوا أهلا لها (وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً).
وقال بعض أهل التأويل (٢) : (كَلِمَةَ التَّقْوى) هي كلمة الإخلاص (وَكانُوا أَحَقَّ بِها
__________________
(١) قاله الزهري ، أخرجه ابن جرير (٣١٥٩٧) وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٧٨).
(٢) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٣١٥٩٥) ، (٣١٥٩٦).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
