وقوله : (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ) من الحديبية ، خلفهم الله ـ عزوجل ـ لما علم منهم من اختيار التخلف.
وقوله : (إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ ...) الآية.
ذكر أهل التأويل (١) : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية ورجع اشتد ذلك على أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ لما كانوا طمعوا دخول مكة والزيارة لبيته ، فبشره ربه بفتح خيبر والغنيمة لهم ، فعند ذلك لما انتهى إلى المنافقين المخلفين عن الحديبية تلك البشارة له بفتح خيبر عليهم ـ قالوا : ذرونا نتبعكم ؛ فنصيب معكم الغنائم ؛ وإنما رغبوا في اتباعهم معهم ؛ لما علموا أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يصدق فيما يخبر من البشارة له والفتح والغنيمة له بلا مئونة قتال ولا حرب تقع هنالك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ) ؛ لأن البشارة بفتح خيبر ، وجعله غنيمة لمن شهد الحديبية ، فأما من تخلف عنها ، فليس له في ذلك من نصيب ، فأخبر الله ـ تعالى ـ أنهم يريدون أن يبدلوا ما وعد الله ـ تعالى ـ للمؤمنين الذين شهدوا الحديبية ـ فتح خيبر خاصة ؛ بأن يشركوا فيها ، وفي ذلك تبديل ما وعد ؛ إذ لم يشهدوا هم الحديبية ، والبشارة بالفتح لمن شهدها ، فأما من تخلف عنها فلا.
وقال بعضهم (٢) : تبديل كلام الله ما قال في سورة براءة : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) [التوبة : ٨٣] فلما سألوا الخروج إلى خيبر والاتباع لهم ، وقد نهاهم عن الخروج معهم أبدا ، يريدون أن يبدلوا ذلك النهي الذي نهوا في سورة براءة ؛ فيحتمل الأمرين جميعا ؛ كذا ذكر الشيخ ـ رحمهالله ـ وعامة أهل التأويل على أن قوله : (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) [التوبة : ٨٣] نزل في غزوة تبوك ، وأنها بعد خيبر ، فلم يكن خروجهم مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم بخيبر تبديل النهي الذي نهوا عن الخروج معه ، لكن كأنه لم يثبت عنده نزول الآية في غزوة تبوك ، أو وقع الخطأ من الذين تلقنوا منه وكتبوه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) ، يحتمل قوله : (كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ) هي البشارة التي ذكرنا لمن شهد الحديبية ، قال : إن مغانم خيبر لمن شهد الحديبية ، وأمّا من لم يشهد فلا.
ويحتمل قوله : (مِنْ قَبْلُ) ما ذكر في سورة براءة : (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً)
__________________
(١) قاله مقسم بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه (٣١٤٩٠) وعن مجاهد وقتادة مثله.
(٢) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير (٣١٤٩٢).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
