تملكون دفعه عن أنفسكم ، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه ، فلا يملك أحد الضرر لكم ، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
ثم أوعدهم فقال : (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) جعل الله ـ عزوجل ـ أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله صلىاللهعليهوسلم في حق المنافقين ، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم ؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله ـ جل وعلا ـ وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه بالله قدر على ذلك ، والله أعلم.
وقال أهل التأويل : (إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا) أي : الهزيمة (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) ظهورا على عدوكم وغنيمة ، يحتمل أن يكون الخطاب بهذا لأهل الإيمان والوعظ لهم بذلك ؛ لأن أهل النفاق كانوا لا يصدقون رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا يقبلون ما يقول من المواعظ وغيره.
وقوله ـ عزوجل ـ : (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً).
فإن قيل : ما الذي حملهم على الظن الذي ظنوا أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين لا يرجعون إلى أهليهم أبدا إذا كان ذلك في خروجهم إلى الحديبية ـ على ما قال أهل التأويل : إن ذلك كان في خروجهم إلى الحديبية ـ وكان خروجهم للحج وقضاء المناسك لا للقتال والحرب معهم ، حتى يقع عندهم أنهم لا يرجعون ، بل يهلكون في ذلك ، وأهل مكة لم يكونوا يتبعون أحدا من أهل الإيمان يدخل مكة للحج وقضاء المناسك.
قيل : لأن أهل النفاق كانوا قد كتبوا إلى أهل مكة وأعلموهم أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ خرجوا إليكم للحج وزيارة البيت ، فقالوا : إنا لا ندعهم يدخلون مكة بل نقاتلهم ونحاربهم ولا نتركهم يدخلونها ، فإذا كان منهم ما ذكرنا ، فجائز أن يكونوا ظنوا ما ذكرنا من ظنهم ، فأما على غير ذلك فلا يحتمل مع اجتماع أهل التأويل على أن ذلك كان في أمر الحديبية ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ).
أي : ظننتم برسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ظن السوء أنهم لا يرجعون إلى أهليهم.
ويحتمل ظننتم بالله ظن السوء أنه لا ينصر رسوله ولا يعينه.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً).
قال بعضهم : (بُوراً) أي : هلكى ، أي : تصيرون قوما هلكى ؛ فيه دليل أنهم يموتون على نفاقهم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
