تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً)(١٧)
وقوله ـ عزوجل ـ : (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ).
قوله ـ تعالى ـ : (الْمُخَلَّفُونَ) سماهم : مخلفين ، ولم يخلفهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا أصحابه ، ولكن الله تعالى خلفهم عن ذلك بأن أحدث منهم فعل التخلف ؛ لما علم منهم ما كان من اختيارهم التخلف ، كقوله تعالى : (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ) [التوبة : ٤٦] أي : منعهم ، فعلى ذلك ما ذكر من المخلفين أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلفهم عن ذلك ، وهم اكتسبوا فعل التخلف في أنفسهم ؛ دل أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ خبرا عنهم : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا).
هذا القول منهم قول اعتذار وطلب العذر من رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
وقولهم : (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) طلبوا منه الاستغفار مع إظهارهم العذر في التخلف بقولهم : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) يقولون : وإن حبستنا أموالنا وأهلونا لم يكن لنا التخلف عنك ، فاستغفر لنا ، ولكن مع هذا لم يقبل عذرهم ؛ لأنهم كانوا لا يحققون في طلبهم الاستغفار منه ؛ لأنهم أهل نفاق لا يؤمنون برسالته ولا بالبعث كي ينفعهم المغفرة في الآخرة ؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ...) الآية [المنافقون : ٥] ؛ دل هذا الفعل منهم على أنهم كانوا غير محققين طلب الاستغفار منه بقولهم : (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) ؛ حيث قال : (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) ، أي : يقولون بألسنتهم قولهم : (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) ما ليس في قلوبهم حقيقة ذلك.
ولا جائز أن يصرف قولهم : (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) إلى قولهم : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) أي : كاذبين في العذر ، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة ، لا يقال هذا ؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك ؛ فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً).
قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله تعالى يكون على الإيجاب ، فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟ فيكون من الله تعالى على الإيجاب : أن لا أحد يملك لكم نفعا إن كان الله أراد بكم ضرا ، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان الله أراد بكم نفعا ، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم ، فإن الله تعالى لو أراد بكم ضرّا لا
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
