وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم ، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا (١) بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخرا لأنفسكم غير (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) ، أي : لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها.
والثاني : (وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) أي : ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم ، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ) أي : لو يسألكم جميع أموالكم ، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق ، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلما ذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟!
وقوله : (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) يخرج من وجوه :
أحدها : أي : يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال.
ويحتمل (فَيُحْفِكُمْ) أي : يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم : الإحفاء : أن يأخذ كل شيء عنده ، وهو من الاستئصال ، ومنه إحفاء الشوارب.
وقال أبو عوسجة : الإحفاء : شدة المسألة ؛ أي : إن يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم تبخلوا ؛ يقال : أحفى في المسألة وألحف وألح واحد ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) أي : لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم ؛ لأن ذلك الأمر إنما يجري على ألسن الرسل ؛ يوجب ذلك إظهار ما في قلوبهم من الضغائن للرسل ، عليهمالسلام.
فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين ؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم وضغائنهم وعداوتهم ، فكان كالأمر بالقتال ؛ كان سببا لإظهار نفاقهم.
وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك ؛ تحريضا لهم على الإنفاق والتصدق ، أي : إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة ؛ لما فيه من التحبب والتودد بإيصال ما هو محبوب إليه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) أي : ها أنتم يا هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ، أي : في إظهار دين الله ، أو في طاعة الله ، أو في الجهاد ؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل الله ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) جعل الله ـ عزوجل ـ : الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما أمرهم الله ـ تعالى ـ بالإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم ؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما أمر الله ـ تعالى ـ انتفعوا
__________________
(١) كذا في أ.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
