ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد ؛ أي : ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي بذلك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) اختلف فيه :
قال بعضهم أي : لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة ، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) [النساء : ١٤١].
وقال بعضهم (١) : (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) أي : لن ينقصكم أعمالكم ، وكذا قال أبو عوسجة ؛ يقال : وتره : أي : نقصه.
وقال بعضهم (٢) : لن يظلمكم أعمالكم ؛ يقال : وترني حقي ، أي : بخسنيه ، كذلك قال القتبي ، ولكن كلاهما واحد في المعنى ، أي : لا ينقص من أعمالهم شيئا ، ولا يظلمون فيها ، ولا يبخسون ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) ، أي : حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو ؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو.
ويحتمل أنه سماها : لهوا ولعبا ؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء ، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة ؛ وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعبا ولهوا ، ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئا واحدا ، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء ، والآخر ما يستمتع بباطن الأشياء : اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء ، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها ، والله أعلم.
وقوله ـ تعالى ـ : (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) أي : وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان [به] وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره ـ (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) : جعل الله ـ عزوجل ـ بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرا ؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره ؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم الله ـ تعالى ـ حيث أسدى عليهم النعم ابتداء ، لكنه جعل لأعمالهم أجرا كأنهم يعملون له ابتداء ، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة ، وإليه ترجع منافع أعمالهم ، ولأن أنفسهم وأموالهم ـ في الحقيقة ـ لله ـ تعالى ـ فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟ وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك ، وأن ليس له ذلك ، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله ـ تعالى ـ فضلا منه وكرما ، فعلى ذلك هذا ، والله أعلم.
__________________
(١) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير (٣١٤٣٢) وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٥٥).
(٢) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه (٣١٤٣١) وهو قول قتادة وابن زيد.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
