فيها.
وهو يخرج عندنا على وجوه :
أحدها : يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن الله ـ تعالى ـ يجهل عواقب الأمور ؛ حيث أنشأ هذا العالم ، فجحدوه وجحدوا نعمه ، فلا يحتمل أن ينشئهم ، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه ؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم ، فعلى ذلك هذا ، على زعمهم ، فقال ـ تعالى ـ جوابا لهم : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) أي : على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم ، لا عن جهل على ما ظنوا هم ، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى الله ـ تعالى ـ لجهلهم بحق الحكمة في فعله ؛ لأن الله ـ جل وعلا ـ لم ينشئ هذا العالم لحاجة له ، أو لمنافع نفسه ؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم ، ولحاجتهم ، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة ، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد ، فأما في الشاهد فمن يأمر أحدا أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم ؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له ، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم ، فافترق الشاهد والغائب ؛ لافتراق وجه الحكمة ، والله الموفق.
والثاني : قوله ـ تعالى ـ : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) أي : يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم ، وسكونكم ، وجميع تقلبكم ؛ لتكونوا أبدا على حذر ويقظة ، والله أعلم.
والثالث : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) أي : يعلم متقلبكم في الدنيا ، ويعلم إلى ما ذا يكون مرجعكم في الآخرة ؛ أي : أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ) [الأعراف : ١٧٩] ، وقال في آية أخرى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات : ٥٦] أي : أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم ، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ) إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة ، ويقولون : هلا نزلت سورة ؛ لوجوه :
أحدها : لتكون السورة حجة لهم ، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد.
والثاني : كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدين ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ...) إلى قوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة : ١٢٤] وأما المنافقون (فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ)
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
