يؤمر بالاستغفار ، كقول إبراهيم ـ عليهالسلام ـ حيث قال : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء : ٨٢] لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم ؛ فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر ، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه ، والله الموفق.
ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية ؛ لأنه ـ عزوجل ـ أمر رسوله ـ عليهالسلام ـ أن يستغفر لهم ، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار ، ثم لا يحتمل ـ أيضا ـ أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له ، وكذلك دعاء سائر الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ نحو دعاء نوح ـ عليهالسلام ـ : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) [نوح : ٢٨] ، وقول إبراهيم ـ عليهالسلام ـ : (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) [إبراهيم : ٤١] ، ونحو ذلك ، وكذا استغفار الملائكة لهم ـ أيضا ـ لقوله : (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) [الشورى : ٥] ، وقوله : (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ...) الآية [غافر : ٧] هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ أفضل وسائل تكون إلى الله ـ تعالى ـ وأعظم قربة عنده ، والله الموفق.
ثم قوله ـ عزوجل ـ : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) فيه دلالة نقض قول المعتزلة ، لأنهم يقولون : إن الصغائر مغفورة ، لا يجوز لله ـ تعالى ـ أن يعذب عباده عليها ، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة ؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم ؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم ، فلا يخلو إما أن تكون صغائر ، وهي مغفورة عندهم ؛ فكأنه يقول : اللهم لا تجر ؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها ، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها ، فيكون قوله : اللهم اغفر لهم ، كأنه قال : اللهم جر ؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جورا ووضع الشيء في غير موضعه.
فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا : إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر ، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر ؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون ، والله الموفق للصواب.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) قال بعضهم : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في النهار (وَمَثْواكُمْ) من الليل.
وقيل : يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل ؛ وهما واحد.
وقال بعضهم (١) : (وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في الدنيا (وَمَثْواكُمْ) في الآخرة ؛ أي : مقامكم
__________________
(١) قاله ابن عباس ، أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور (٦ / ٤٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
