حقيقة العبادة فهو صلة قوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ...) الآية [الأحقاف : ٤] ؛ يقول ـ والله أعلم ـ : ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض ، ولا له شرك في السموات وما ذكر ، وترك عبادة من خلق السموات ، وخلق الأرض ، وشهد كل شيء له بذلك ، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك ؛ أي : لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه ، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئا من ذلك ، والله أعلم.
وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله : (لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ) [الأحقاف : ٥] أي : ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يملك إجابته ، ولا يسمع دعاءه ، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه ، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون ؛ أي : لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئا من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله ؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) كأن هذا إنما ذكر ـ والله أعلم ـ لإنكار أهل مكة الرسل من البشر ، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم ، فقال عند ذلك : (ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ) أي : لست أنا بأول رسول من البشر ؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها ، فما بالكم تنكرون رسالتي ؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟! والله أعلم.
قال أبو عوسجة : (ما كُنْتُ بِدْعاً) أي : ما أنا بأولهم ، قد أرسل قبلي.
وقال القتبي : وما كنت بدءا منهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) هذا يخرج على وجوه :
أحدها : أي : ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم : أرسل ، وأختص للرسالة ، وأختار لها ، وأبعث إليكم ، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه ، والله أعلم.
والثاني : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم ، أمروا بالخروج من بين أظهرهم ، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم ؛ أي : ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم ، والله أعلم.
والثالث : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) مخافة التغيير عليه والتبديل ؛ ولم يزل الرسل ـ عليهمالسلام ـ يخافون تغيير الأحوال عليهم ، وتبديل ما أنعم عليهم ، وذهاب
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
