وقوله ـ عزوجل ـ : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ) ليس في هذا جواب لقولهم : (فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) ، ولم يأت بجواب ذلك ، وإنما كان ؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال ؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتا وعنادا.
ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة ، وفي الآية دلالة على البعث أيضا :
بيان الأول : أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية ، كانوا ينكرون رسالة رسلهم ، ويكذبونهم ، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك ، فيكذبونهم ـ أيضا ـ فيما يوعدون من البعث ، فجاءهم الهلاك ، فيقول : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) ومن ذكر ، أي : أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟ وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشا ، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث ، فأنتم دون أولئك ، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟! وهو كقوله ـ تعالى ـ : (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) [القمر : ٤٣] وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة ، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق ؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا ، والله أعلم.
وأما الثاني : وهو أنه لما أخبر : أن تعذيب أولئك الكفرة ؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث ؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب ، والله أعلم.
وذكر أن تبعا كان رجلا صالحا ، وعائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول : «لا تسبوا تبعا ؛ فإنه كان رجلا صالحا» (١).
وذكر أنه كان رسولا ، وقد ذكرنا نعته ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) ، وقال في آية أخرى : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) [ص : ٢٧] : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول ، فلا يقولون : إن الله ـ تعالى ـ خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعبا ، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم ، وعلى ما عندهم يصير عبثا باطلا ؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ، ويقولون : أن لا بعث ، ولا حساب ، ولا ثواب ، ولا عقاب ، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور ، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر ـ باطلا ولعبا ؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر ـ على زعمهم ـ لم يكن إلّا الإفناء والإهلاك ، ومن لم
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣١١٤٣) ، (٣١١٤٤) وعبد بن حميد ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٥٠).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
