يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة ، كان في بنائه وقصده سفيها ، غير حكيم ، فعلى ذلك الله ـ سبحانه وتعالى ـ في خلقه إياهم ، وإنشائه لهم ، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى : من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان ، ثم إلى حال الكبر ، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا ـ كان سفها باطلا ، غير حكمة ؛ لما ذكرنا : من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير ، كان في فعله وقصده لاعبا عابثا سفيها ؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة ؛ حيث قال : (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ...) الآية [النحل : ٩٢] ، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور ـ على ما قال أولئك الكفرة وظنوا ـ كان كذلك سفها غير حكمة ؛ ولذلك قال : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون : ١١٥] جعل خلقه إياهم [لا] للرجوع إليه عبثا ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ) قال بعضهم : إلا لإقامة الحق.
وقال بعضهم : إلا لأمر كائن مراد.
وأصل الحق : هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة ، والباطل هو ما يذم عليه فاعله ، وإنما خلق ـ جل وعلا ـ ما ذكر ؛ ليحمد على فعله ، لا ليذم ، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه ، ولكن يذم ، على ما ذكرنا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنهما لم يخلقا باطلا وعبثا ، وهو ما ظنوه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) سمى يوم القيامة مرة : يوم الجمع ، ومرة يوم التفريق ، ومرة يوم الفصل ، فهو يوم الجمع ؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعا ، وكذلك يوم الحشر.
ويوم الفصل يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه ، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة ، وأعداءه في دار الهوان والعقاب ، وهو ما قال : (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) [الشورى : ٧].
ويحتمل أن يكون قوله : (يَوْمَ الْفَصْلِ) أي : يوم القضاء والحكم ، أي : يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله : (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [يونس : ٩٣].
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
