ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.
وقوله : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) قال بعضهم : أي : فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض ؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم ؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح ، لا لعينه ، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده ، لا عين النفي ، كقوله ـ تعالى ـ : (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة : ١٦] ليس المراد إثبات نفي الربح ؛ أي : لم يربح فحسب ؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة ، أي : خسرت ووضعت ؛ فعلى ذلك قوله ـ تعالى ـ : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) أي : ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم ؛ لأنهم جميعا أبغضوهم وعادوهم لا دعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون.
وقال بعضهم : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح ، وفي الأرض مصلى يصلى فيه ، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يوما» (١) و [هم] ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم.
وجائز أن يكون ـ أيضا ـ قوله ـ تعالى ـ : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) أي : لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم ؛ لأنهم استؤصلوا جميعا من الأولاد وغيرهم ، فلم يبك عليهم أحد ، فأمّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم ؛ لذلك كان ما ذكر ، والله أعلم.
ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل ، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم ، فيخبر الله ـ عزوجل ـ أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض ؛ لما [لا] قدر لهم عندهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ).
قال بعضهم : (نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ) الذي نزل بفرعون وقومه ، وهو الغرق في البحر ، أغرق أولئك ونجى هؤلاء.
ويحتمل أن يكون المراد : أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون ؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي
__________________
(١) أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا في ذكر الموت ، وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية ، والخطيب عن أنس كما في الدر المنثور (٥ / ٧٤٧).
وروي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم من قولهم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
