الحلي واللباس فخرجوا بها ، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء.
وقوله : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً) يحتمل قوله : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ) كأن موسى ـ عليهالسلام ـ كان يضرب البحر بعصا ، ليصل الماء بعضه ببعض ؛ لئلا يعبر فرعون وقومه ، فقال له : اتركه كما هو (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ).
ثم اختلف في قوله : (رَهْواً) : قال بعضهم : هي فارسية عربت ؛ أي : اترك البحر «راه».
وقال بعض أهل اللسان (١) : (رَهْواً) أي : ساكنا.
وقال بعضهم : (رَهْواً) أي : متصلا ؛ وهو قول أبي عوسجة.
وقال أهل التأويل (٢) : (رَهْواً) أي : يابسا ، وهو كقوله : (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) [طه : ٧٧].
وقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) قد وعدهم ـ جل وعلا ـ أن يغرق فرعون وقومه ففعل.
وقوله : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) أي : ناعمين.
وقيل : معجزين.
من الناس من قال : إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج ، وهو قوله ـ عزوجل ـ : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ...) الآية [يونس : ٨٨] ثم قال الله ـ تعالى ـ (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) [يونس : ٨٩] فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ...) الآية ، وما معنى قوله : (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ).
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين ؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة ، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها ، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل ، وهو قوله ـ عزوجل ـ : (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ) أي : مثل ذلك أورثناها قوما آخرين ، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال : (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) [الأعراف : ١٣٧] فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر ،
__________________
(١) قاله قتادة ، أخرجه ابن الأنباري عنه ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٤٦).
(٢) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير (٣١١١٣) وعبد الرزاق وعبد بن حميد عنه ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٤٦) وهو قول مجاهد وعكرمة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
