الشفاعة لكانت لا تنفعهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) [المدثر : ٤٨] أي : لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم ، ليس أن يكون لهم شفاعة أو شفعاء ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ...) الآية [المائدة : ٣٦] ، وكقوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ ...) الآية [البقرة : ١٢٣] ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله ـ عزوجل ـ : (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ) أي : لا ينفعهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يخرج قوله : (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) على وجهين :
أحدهما : يرجع إلى الملائكة ، فيكون كأنه يقول : ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة.
والثاني : يرجع إلى من شهد بالحق ، يكون كأنه يقول : ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق ، والشهادة بالحق ما ذكرنا ، يعني : يشهدون على وحدانية الله ـ تعالى ـ وألوهيته ، وأنه هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) ، وقال في أول السورة : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [الزخرف : ٩] ، ثم نعته فقال : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ...) [الزخرف : ١٠] إلى آخر ما ذكر ؛ قد أقروا جميعا : أن الذي خلق السموات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو الله تعالى.
ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوها :
يحتمل : علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ الله ـ تعالى ـ علما في قلوبهم ، فعلموا بذلك حقيقة أن الله ـ عزوجل ـ هو خالق ذلك كله.
ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر ؛ إذ من عادة العرب التأمل والنظر في الأشياء ، فنظروا وتأملوا ، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) يقول : فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام بوفاء ما أعطوا بألسنتهم ، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن الله خالق ذلك كله ، وأن ذلك كله منهم ، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه [لا] شيء من ذلك منهم ، وبعد معرفتهم بذلك ، أعني : الأصنام التي يعبدونها ، والله الهادي.
وقال أهل التأويل : أي : فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
