التي كان خص بها ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً) على وجهين :
أحدهما : أي : لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة ؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء ، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء.
والثاني : أي : لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون ، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون ، لكن لم يفعل ذلك ؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر ، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع ، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه ، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه ، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه ، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم ، فإذا كان ما ذكرنا : إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة ، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه ؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفها ، فافترق الأمران ، والله الموفق.
ثم قوله ـ تعالى ـ : (مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) يحتمل وجهين :
أحدهما : أي : يخلف الملائكة بعضهم بعضا ، قرنا عن قرن بالتناسل والتوالد ؛ كالبشر يخلف بعض بعضا ، قرنا عن قرن بالتناسل والتوالد ؛ إذ ليس في الملائكة توالد [ولا] تناسل.
والثاني : (يَخْلُفُونَ) أي : يكونون خلفا وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) وعلم للساعة كلاهما قد قرئا ، ثم اختلف في ذلك :
فمنهم من يقول (١) : هو عيسى ، يكون نزوله من السماء علما للساعة وآية لها ؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله : (وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) كأنه قال : (وَجَعَلْناهُ مَثَلاً) أي : آية وعبرة لهم على ما ذكرناه ، وجعلناه ـ أيضا ـ علما للساعة.
وقال بعضهم : قوله : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أي : محمد صلىاللهعليهوسلم وما أنزل عليه من القرآن
__________________
(١) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير (٣٠٩٤٩) ـ (٣٠٩٥٣) والفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عنه ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٢٩) وهو قول أبي هريرة والحسن ومجاهد وقتادة والسدي.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
