[مريم : ٤٤] ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ، لكن من عبد شيئا دون الله إنما يعبده بأمر الشيطان ، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده ؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا ، والله أعلم.
وقال بعضهم (١) : ضرب المثل لعيسى ـ عليهالسلام ـ هو أن الله ـ تعالى ـ لما ذكر عيسى ـ عليهالسلام ـ في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد صلىاللهعليهوسلم : ما أردت بذكر عيسى؟ وقالوا : إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته ، فقالوا : (أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا ، فو الله لهم خير من عيسى ، أو ما قالوا ؛ فقال الله ـ عزوجل ـ : (ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً) أي : إلا ليجادلوك بالباطل ، وهو قول قتادة.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم ـ عليهماالسلام ـ من قومه ـ أعني : عيسى ـ لا من قوم محمد صلىاللهعليهوسلم وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه ؛ فمنهم من قال : إنه إله وإنه رب ، ومنهم من قال : إنه ابن الإله ، ومنهم من قال : إنه وأمه إلهان ، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه ، فيكون قوله : (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً) قال قومه على ما ذكروا فيه ، ثم قال : (إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) أي : يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا ، والله أعلم.
أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية ؛ لما لا حاجة إلى ذلك ، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة ، والله أعلم.
ثم قوله ـ تعالى ـ : (إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قرئ برفع الصاد وكسرها.
قال القتبي وأبو عوسجة : (يَصِدُّونَ) بالكسر : يضجون ، والتصدية منه ، وهو التصفيق ، ومن قرأ بالرفع يقول : يعدلون ويعرضون (٢).
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) أي : عبرة وآية لبني إسرائيل ؛ لما كان هو مولودا من غير والد ، ولما كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص ، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد ، وغير ذلك من الآيات
__________________
(١) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير (٣٠٩٢١) ، (٣٠٩٢٢) وعبد الرزاق وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور (٥ / ٧٢٨).
(٢) انظر : تفسير ابن جرير (١١ / ٢٠١).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
