والثاني : يقولون : إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب ؛ لأنها خير من أولئك ، والله أعلم.
فنقول : إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية ؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيبا لها ، أعني : الأصنام ؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيبا لمن عبدها ، وعقوبة لمن اتخذها أربابا دون الله فلا ، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصّفر ؛ لزيادة تعذيب العبدة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) [البقرة : ٢٤] مع أنه لا جناية من الأصنام ، ولا ضرر لها بالإحراق ؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة ، وفي إحراقهم تعذيبهم ؛ إذ هم يتضررون بها ، ولا جناية منهم ، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم ، والله أعلم.
وبعد : فإن في الآية بيانا على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصبا للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم ؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ...) الآية [الأنبياء : ٩٨] ، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان ، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة ، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين ؛ استدلالا بهم ، والله أعلم.
على أن في الآية بيانا ـ أيضا ـ أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره ، فإنه قال : (وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [الأنبياء : ٩٨] وكلمة «ما» تستعمل في [غير] العقلاء من الجمادات وغيرها ، لا في ذوات العقلاء.
وعلى أن في الآية بيانا من وجه آخر ـ أيضا ـ على أنهم غير مرادين بها ، فإنه استثنى وخصّ بقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) [الأنبياء : ١٠١] أخبر أن من سبقت [له] منه الحسنى يكون مبعدا عنها ، ولا شك أن عيسى والملائكة ـ عليهمالسلام ـ قد سبقت لهم منه الحسنى ، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ...) الآية [الأنبياء : ٩٨] ، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك ، وهم الشياطين ؛ لأن من عبد دون الله أحدا إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه ، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل ، وذلك نحو قوله ـ تعالى ـ : (يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [الفرقان : ١٧] ، وقال إبراهيم لأبيه : (يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ)
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
