نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول ؛ فنؤمن بك.
ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا ، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره ، ويستفاد بالسحر مثله ، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا ؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر ، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق ، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع ؛ كقوله : (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها) [الأعراف : ١٣٢] فالآية لا يسحرهم بها ؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام ، فإذا كان آية لا يسحرهم بها ، ولا تكون سحرا ، وإذا كان سحرا لا يكون آية ، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض ؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن ، فعلى ذلك يحتمل هذا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) قد كان الله ـ عزوجل ـ عاهد موسى ـ عليهالسلام ـ لئن آمنوا ، أكشف عنهم العذاب ، فلما دعا وكشف عنهم العذاب ، لم يؤمنوا ، والله أعلم.
ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيّا واختصه لرسالته.
ويحتمل قوله ـ تعالى ـ : (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) على الإضمار ؛ كأنهم قالوا : ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون ، وهو قوله ـ تعالى ـ في آية أخرى : (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) [الأعراف : ١٣٤] ، ألا ترى أنه قال : (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) ، أي : ينقضوا ما عهدوا ، وعهدهم ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى ـ عليهالسلام ـ من الرسالة ، يموه بذلك على قومه وأتباعه ؛ أي : لئن كان الله أرسل رسولا ، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى ؛ ولذلك قال : (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أي : ضعيف لا مال له ، ولا حشم ، ولا تبع ، (وَلا يَكادُ يُبِينُ) حجته ، وكذلك قال : (فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) كما ألقي علي ، وكما أعطاني من المال والذهب.
أو يقول : إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا ، فإذ لم يؤته شيئا من ذلك فليس برسول.
أو يقول : إنه لو كان رسولا كما يقول ، لألقى الله عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
