السلام ـ دل أن آية اليد أكبر من آية العصا ، والله أعلم.
وقال بعضهم : هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا ، ولكن وصف الكل بالعظم والكبر ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) [النساء : ١١] ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر ، ولكن وصف قرب كل واحد منها من الآخر على السؤال ، وكما يقال في العرف : إن أفراس فلان كل واحد أعدى من الآخر ، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر ، وأنه لا يراد بذلك الترجيح ، ولكن إثبات المخبر عنه ؛ فعلى ذلك قوله ـ تعالى ـ : (وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها) وصف لهما جميعا بالكبر ، والله أعلم.
ثم ذكر قوله ـ تعالى ـ : (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) وغير ذلك من أمثاله لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ليصبره على أذى قومه ، وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه ، والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته ، وعلى ذلك ما قال : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) [هود : ١٢٠] أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ...) الآية ، والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحرا وكانوا يطلبون منه أن يدعو ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟
فنقول : روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : سموه : ساحرا ؛ لأن الساحر عنهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته (١) ؛ لذلك قالوا : يا ساحر ، ادع لنا ربك ، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب ، ثم يسمونه : ساحرا ويعنون به : سحرا للكذب والباطل ، والله أعلم.
وقال مقاتل : إنهم قالوا : (يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ) قال لهم موسى ـ عليهالسلام ـ : كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم ، وقد تسمونني ساحرا ، فرجعوا عن ذلك فقالوا : (يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) ؛ على ما ذكر في سورة الأعراف : الآية [١٣٤] ، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قولهم : (يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ) سموه : ساحرا على ما كان عندهم أنه ساحر ، فيقولون : إنك ساحر ، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز ؛ فعند ذلك
__________________
(١) ذكره ابن جرير (١١ / ١٩٤) ولم ينسبه لأحد.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
