أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أولئك ، وهو كقوله : (يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ...) إلى قوله : (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما) [الإسراء : ٢٣] وكقوله : (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [البقرة : ١٤٧] و (الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام : ١٤] ؛ إذ معلوم أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك ، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا.
ويحتمل أن يكون قوله ـ تعالى ـ : (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ...) الآية ؛ أي : لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعا : لم يرسل بأمر بعبادة غير الله ـ تعالى ـ والله أعلم.
وحكاية على هذا ـ وليس من نسخة الأصل (١) ـ سمعت مفسرا ببخارى يقول (٢) : نزلت هذه الآية ليلة المعراج ورسول الله صلىاللهعليهوسلم لما دخل بيت المقدس رأى الرسل والأنبياء ـ عليهمالسلام ـ مجتمعين ، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين ، فقام جبريل ـ عليهالسلام ـ من الصف وقال : يا محمد (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا).
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) قد ذكرنا آيات موسى ـ عليهالسلام ـ التي أتى بها في غير موضع ، وفيه الأمر بتبليغ الرسالة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، وفيه أن التقية لا تسع للرسل ـ عليهمالسلام ـ في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا منهم ، واستهزءوا بهم ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ...) الآية [المطففين : ٢٩].
وقوله : (وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها).
قال بعضهم (٣) : إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت ؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة ؛ حيث قالوا : (ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) [الأعراف : ١٣٤] ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم.
وقال بعضهم : (إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها) كانت اليد أعظم وأكبر من العصا ؛ لأن العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من الجواهر ، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد ، وقد كان ذلك لموسى ـ عليه
__________________
(١) كذا ورد في أ.
(٢) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنه (٣٠٨٨٧) وهو قول سعيد بن جبير أيضا.
(٣) انظر : تفسير ابن جرير (١١ / ١٩٤).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
