والثاني : النهي عن استعجاله ؛ كقوله : (وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) [الأحقاف : ٣٥] كأنه يقول : ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إليّ : إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك ، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئا من ذلك ، وهو كما قال : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ...) الآية [آل عمران : ١٢٨].
وقال قتادة في ذلك : إن الله ـ تعالى ـ أذهب نبيه صلىاللهعليهوسلم وأبقى النقمة بعده ، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه ، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم ، عافاه الله ـ تعالى ـ عن ذلك ، ولا أراه إلا ما يقر به عينه ، قال : وذكر لنا أن نبي الله صلىاللهعليهوسلم أري الذي تلقى أمته من بعده ، فما زال إلا منقبضا ما استشاط ضحكا حتى لحق بالله تعالى (١).
وقال الحسن (٢) قريبا من قول قتادة في قوله ـ تعالى ـ : (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) قال : أكرم الله ـ تعالى ـ نبيه صلىاللهعليهوسلم أن يريه في أمته ما يكره ، ورفعه الله ـ تعالى ـ وبقيت النقمة.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الوحي إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم من وجوه ثلاثة :
أحدها : القرآن ، وهو الظاهر من الوحي إليه.
والثاني : وحي بيان ، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم ، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره ؛ على ما أراد الله تعالى.
والثالث : وحي إلهام وإفهام ، كقوله ـ تعالى ـ : (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ) [النساء : ١٠٥] وما أراه الله ـ تعالى ـ هو ما ألهمه وأفهمه أمره ـ عزوجل ـ بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان ، وما هو إفهام ، وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله ، ويبشره في ذلك كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم ؛ حيث قال : (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) جائز أن يكون المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه ؛ فإن قوله : (وَإِنَّهُ) كناية عن قوله : (بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) أي : جميع ما
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣٠٨٧٢) ، (٣٠٨٧٣) وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥ / ٧٢٤) عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن المنذر والحاكم عنه عن أنس بن مالك.
(٢) أخرجه ابن جرير (٣٠٨٧١) وابن المنذر ، كما في الدر المنثور (٥ / ٧٢٤).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
