احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال ، وعلى الوجهين جميعا يكونون كاذبين ؛ لذلك قال : (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، والله أعلم.
والثاني : أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية ، لا على الجد ؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده ، كقوله ـ عزوجل ـ : (وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) [مريم : ٦٦] ، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق ، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكارا للبعث ؛ ألا ترى أن الله ـ تعالى ـ وعظه على ذلك وذكره ، حيث قال : (أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً) [مريم : ٦٧] فعلى ذلك قول أولئك وإن كان في الظاهر صدقا فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق ؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصا وكذبا ، والله أعلم.
والثالث : غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته ، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لما ذا عاقبنا؟ فأبطل احتجاجهم بقوله ـ تعالى ـ : (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي : هم جاهلون في الاحتجاج بهذا ، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة الله ـ تعالى ـ إياهم الكفر ، ولكن لسوء اختيارهم ، وأسباب حاملة لهم على ذلك ، وأصله : أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن الله ـ تعالى ـ شاء ذلك منهم ، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل ؛ لأن الله تعالى شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا ، والله الموفق.
والرابع : يحتمل أنهم يقولون : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) ، وقولهم : (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا) [الأنعام : ١٤٨] أي : لو أمرنا الله ـ تعالى ـ بترك عبادتنا أولئك الأصنام ما عبدناهم ، لكن أمرنا أن نعبدهم ، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من الله ـ تعالى ـ كقوله : (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها) [الأعراف : ٢٨].
أو أرادوا بالمشيئة : الرضا ؛ يقولون : لو لا أن الله ـ تعالى ـ قد رضي بذلك عنّا وعن آبائنا ، وإلا ما تركنا وهم على ذلك ؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن الله ـ تعالى ـ قد رضي بذلك عنهم ، فردّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ بقوله : (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وبقوله : (قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ...) الآية [الأعراف : ٢٨] ، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله ـ تعالى ـ : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا ...) الآية [الأنعام : ١٤٨] ، والله أعلم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
