ثم قوله ـ عزوجل ـ : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) ، وقوله : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ) [النحل : ٥٧] ، وقوله : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ) [النحل : ٦٢] ـ ليس على حقيقة الجعل ، ولكن على الوصف له والقول ؛ أي : قالوا : إن الملائكة بنات الله ، ووصفوا لهم بما ذكر ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله ـ تعالى ـ لم يشإ الكفر من الكافر ، وإنما شاء الإيمان ، فإن الكفار ادعوا أن الله ـ تعالى ـ شاء منهم الكفر ، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام ؛ حيث قالوا : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) أي : لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها ، ولكن شاء منا عبادة الأصنام ، والله ـ تعالى ـ رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال : (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، أي : ما هم إلا يكذبون.
وعندنا الآية تخرج على وجوه :
أحدها : أنهم في قولهم : (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ) صدقة ؛ فإن معناه : لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها ، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها ؛ فيكون هذا منهم إخبارا عن المخبر به على ما هو ؛ فيكون صدقا.
ثم قوله ـ تعالى ـ : (ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) يحتمل : إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة : إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة الله ـ تعالى ـ وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان ، فالله ـ تعالى ـ شاء منهم الإيمان دون الكفر ، فقد أخبروا على خلاف المخبر به ؛ فيكونون كاذبين.
ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا ، وهو أن الكفر ليس مما شاء الله ـ تعالى ـ وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة ، ولكن يقولون ذلك ردّا على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر : إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟ والإخبار عما هو به وإن كان صدقا ، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقا ، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذبا ، وهذا كقول الله ـ تعالى ـ : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [المنافقون : ١] وهم في قولهم : (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) [المنافقون : ١] صدقة ، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة ؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم ، فيرجع تكذيب الله ـ تعالى ـ إياهم لكذب قلوبهم ، وإن كانوا في نفس قولهم : (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) صدقة ، وإذا
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
