تعالى ـ يخرج على الإيجاب والتحقيق.
وقوله : (أَفَنَضْرِبُ) أي : لا نترك إنزاله وإرساله وإن علمنا منكم التكذيب ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) [المؤمنون : ١١٥] ، وقوله : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) [القيامة : ٣٦] ، أي : لا يترك سدى ، ولا تحسبون أنا إنما خلقناكم عبثا ، فعلى ذلك قوله : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً) فإن كان الذكر هو القرآن أو الرسول ، فالتأويل : أنه وإن علم منكم الردّ والتكذيب ، فلا يمنعه ذلك عن إنزاله عليكم ، وبعثه رسولا إليكم ، و [إن] أنكرتم وإن كذبتموه ورددتموه فلا يحمله ذلك على رفعه من بينكم بشرككم وكفركم ، وهو كما ذكر في قوله : (وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) ، أي : إنا وإن علمنا من أوائلكم التكذيب للرسل والكتاب ، فلا يمنعنا ذلك عن إنزاله عليكم وبعثه إليكم ؛ فعلى ذلك أنتم وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه ، لا يمنعنا ذلك عن إرساله وإنزاله ؛ ليلزمكم الحجة ، أو لعل فيكم من يصدقه ويؤمن به ، أو غيركم يؤمن به ويصدقه وإن كذبتم أنتم.
هذا إن كان تأويل الذكر : رسولا أو كتابا ، وإن كان تأويل الذكر : العذاب ، فيصير كأنه يقول : أفتترك تعذيبكم أو نمسك عنه ولا نعاقبكم وأنتم قوم مسرفون ، أي : مشركون ، على ما ذكر على إثره العذاب ؛ حيث قال : (فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً) أي : قوة ، معناه : عذبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم وأنتم دونهم لا تعذبون؟ بل تعذبون ، والله أعلم.
وعن قتادة (١) يقول : لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة ، لهلكوا ، لكن الله ـ تعالى ـ بفضله ورحمته كرره عليهم ، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما شاء الله تعالى.
وعن الحسن قال : لم يبعث الله تعالى نبيّا إلا أنزل عليه كتابا ، فإن قبله قومه وإلا رفع ، فذلك قوله : (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ) لا تقبلونه ، فتلقته قلوب بقية ، فقالوا : قبلناه ربنا قبلناه ، لو لم يفعلوا ذلك رفع ، ولم يترك على ظهر الأرض منه شيء.
ثم القراءة العامة (أَنْ كُنْتُمْ) منصوبة الألف بمعنى : إذ كنتم ، ويقرأ ـ أيضا ـ (أَنْ كُنْتُمْ) مكسورة على «إن» الشرط ومعناه : لا نتركه ولا نمسك عن إنزاله وإن كنتم قوما مسرفين مشركين.
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣٠٧٧٠) ، (٣٠٧٧١) ، وهو قول أبي صالح.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
