وقوله : (وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ. وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) : فيه دعاء الرسول صلىاللهعليهوسلم إلى الصبر بما يعامله قومه ؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك ، فصبروا على ذلك ، فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم ، والله أعلم.
وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه ، وكذا ينزل الكتاب وإن علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه ؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب لمنفعة نفسه ، ولا لدفع المضرة عن نفسه ، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم ، ولدفع المضرة عن أنفسهم ، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه ، وليس كملوك الأرض إذا أرسلوا رسولا وكتابا إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم ، يكونون سفهاء ؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم ؛ أو لدفع المضرة ؛ فحيث لم يحصل غرضهم ؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صدّ له واستخفاف ، لم يكن ذلك حكمة ، بل يكون سفها ، فأمّا الله ـ سبحانه وتعالى ـ إذا لم يرسل وينزل لجرّ النفع ودفع الضرر ؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر ، ونحو ذلك كان حكمة ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) فيه تحذير أولئك الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول ، وسوء معاملتهم إياه ، كما نزل بأولئك الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل ، وسوء معاملتهم إياهم ، والله أعلم.
وقوله : (فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً) يحتمل وجهين :
أحدهما : أي : أهلكنا من كان أشد قوة وبطشا من هؤلاء ، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب ، فعلى ذلك لو نزل لهؤلاء لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم.
والثاني : أن يكون قوله : (أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً) وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم ؛ أي : ملك العذاب أشدّ منهم بطشا ؛ فلا يمتنع عمله ؛ لبطشهم وقوتهم ، أما إذا كان شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه ؛ لذلك وصف العذاب بكونه أشد منهم بطشا ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم : ٧] ، والله أعلم.
وقوله : (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) ، هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي : صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخرين ، كقوله : (فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة : ٦٦].
والثاني : (وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي : مضى عذاب الأولين ، وهو عذاب الاستئصال ؛
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
