ويحتمل أن يكون رحيما بارّا بالفريقين ، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم ، وأما الكفرة : بار في حقهم ، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا.
ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعا على ما ذكرنا.
فإن قيل : إنه وصف بالحلم والرحمة ، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة.
قيل : إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة ؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيها ؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبدا ، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم ؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة ؛ لذلك كان ما ذكرنا ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) قد ذكرنا في قوله ـ تعالى ـ : (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ) [الشورى : ١٢] تأويله ومعناه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم ، ولا يعز بذلك ؛ لأنه قوي بذاته ، عزيز بنفسه.
والثاني : (الْقَوِيُ) في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه ، (الْعَزِيزُ) : الذي لا يعجزه شيء ، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار.
وقوله ـ عزوجل ـ : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) : جعل الله ـ تعالى ـ الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة ، إن زرعوا خيرا حسنا حصدوا خيرا ونعيما في الآخرة ، وإن زرعوا شرّا وسوءا ، حصدوا في الآخرة شرّا وعذابا دائما.
وكذلك صيّرها متجرا يتّجرون فيها ، فإن اتجروا خيرا وحسنا ربحوا في الآخرة ، وإن اتجروا شرّا وسوءا خسروا في الآخرة.
وكذلك صيرها مسلكا إلى الآخرة ، والآخرة غاية لها ، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور ، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم.
وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...) الآية [التوبة : ١١١] ، وقوله ـ عزوجل ـ : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ ...) الآية [البقرة : ٢٠٧] ، وقوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ...) الآية [البقرة : ١٦ ، ١٧٥] ، وقوله : (اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ) [البقرة : ٨٦] ، وقوله ـ
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
