بالعدل فيما بينهم ، أعني : الخلق.
وجائز أن يكون قوله : (بِالْحَقِ) أي : بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار (وَالْمِيزانَ) أي : بالعدل في الأحكام ؛ جعل الميزان كناية عن العدل ؛ أي : هو طريق العدل وسببه ، وهو كقوله : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) [النحل : ٩٠] ، وقوله ـ تعالى ـ : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ) [النساء : ١٣٥] ، وقوله ـ تعالى ـ : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) [المائدة : ٨] ، وقوله : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) [الأنعام : ١١٥] ، أي : صدقا فيما فيه من النبأ والخبر ، وعدلا في الحكم فيما بينهم ، والله أعلم.
ثم قوله ـ تعالى ـ (وَالْمِيزانَ) يحتمل أن يكون على الكتاب ، وهو الظاهر ، والمراد منه العدل ؛ فيصير تقدير الآية ـ والله أعلم ـ : الله الذي أنزل الكتاب بالحق ، وأنزل العدل فيما بين الخلق ، أو أنزل العدل في الأحكام.
ويحتمل أن يكون عطفا على الحق ؛ فيصير تقديره : أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) ، لم يطلع الله ـ جل وعلا ـ أحدا [على] العلم بوقت الساعة ؛ على ما ذكرنا في غير موضع.
وقوله : (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها) : كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيبا لها أنها كائنة ؛ لأن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يوعدهم بها ، ويخبر أنها كائنة ، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها.
وقوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ) ؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها ؛ فيكونوا أبدا خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع ، فأمّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها ، ولا يصدقون أنها كائنة ؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) : قوله : (يُمارُونَ) يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة.
ويحتمل : (يُمارُونَ) من المرية ، وهو الريب والشك ؛ أي : يشكون فيها.
ودل قوله : (لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) : أنهم لا يؤمنون أبدا.
وقوله ـ عزوجل ـ : (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) : من الناس من قال : إن الآية وإن جاءت مجيئا عامّا فهي خاصة للمؤمنين ، هو لطيف ؛ أي : بار للمؤمنين بها.
ومنهم من يقول : إن الآية للفريقين جميعا : للكافر والمؤمن ، بار بهما ، لطيف بهما بما يرزقهم جميعا : الكافر والمؤمن ، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
