تعالى ـ : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...) الآية [الإسراء : ١٨] ، ونحو ذلك كثير ؛ على هذا بنى أمر الدنيا والآخرة ، والله أعلم.
ثم قوله ـ تعالى ـ : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) يخرج على وجهين :
أحدهما : أي : من كان يريد حرث الآخرة ، نزد له في حرثه ، أي : من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة : أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات ، والزيادة له والنماء ، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم.
والثاني : أي : من كان عمل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن ، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل ، كقوله : (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [الإسراء : ١٩] وهي لا تكون بدون الفعل ، فكان ذكرها ذكرا للفعل ضرورة ؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل ، فكذلك يخرج قوله : (وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) على وجهين :
أحدهما : من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها ، نؤته منها ، ونوسع عليه.
والثاني : (مَنْ كانَ يُرِيدُ) أي : من عمل للدنيا وسعى لها ، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب.
وقوله ـ عزوجل ـ : (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) قال بعض أهل التأويل : أم لهم آلهة دوني (شَرَعُوا لَهُمْ) أي : سنوا لهم (مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) ، يعني بالشركاء : الأصنام التي عبدوها ، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدين شيئا ، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام ؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك ، وهو كقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) [إبراهيم : ٣٦] وأنهن لم يضللن أحدا ، لكنه أضاف إليهن الإضلال ؛ لما بهن ضلوا ، فأضاف إليهن على التسبب ؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك.
ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك ، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و (شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ) ؛ أي : ما لم يأمر به الله ، وهم كذلك كانوا يفعلون ، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان ، فيتبعون به ، والرسل ـ عليهمالسلام ـ قد أتوهم بالدين بالحجج والبراهين من الله ـ تعالى ـ فلم يتبعوهم ، فيقولون : إنهم بشر ، ثم يتبعون بشرا بلا حجة ولا برهان ؛ يذكر سفههم فيما ذكر ، فكأن
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
