وقال بعضهم : (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) تفسير قوله ـ تعالى ـ : (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ) أي : يجتبي للهداية من ينيب إليه ، فأمّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية ، لكن المراد من الهداية ـ هاهنا ـ ليس هدى البيان ؛ لأن هدى البيان قد كان عامّا لمن أناب إليه ومن لم ينب ، ولكن الهدى ـ هاهنا ـ هدى الرحمة ، أو هدى النعمة ، والنعمة سمىّ التوحيد والإيمان مرة : رحمة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) [الشورى : ٨] ، وسمّاه : نعمة ؛ كقوله : (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة : ٧] ، وسمّاه : منة ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) [الحجرات : ١٧] ، وسماه : نورا ؛ كقوله تعالى : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر : ٢٢] ؛ فلذلك قلنا : إن الهدى المذكور ـ هاهنا ـ ليس هو هدى البيان ، ولكن سواه ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) هذا يخرج على وجوه :
أحدها : أي : أنهم تفرقوا في رسول الله محمد ـ عليه أفضل الصلاة ـ بعد ما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول ؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم ، لكنّهم اختلفوا وتفرقوا ؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم ، وكفر بعضهم ، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته ، والله أعلم.
والثاني : أي : (وَما تَفَرَّقُوا) فيما جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم من الدين (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) ؛ إذ الذي جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم هو الذي وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء عليهمالسلام.
ويحتمل أي : (وَما تَفَرَّقُوا) في الإيمان بالرسل والكفر بهم (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أنهم على الحق ، وأنهم رسل الله مبعوثون إليهم ، فتفرقوا ، فآمنوا بالبعض ، وكفروا بالبعض بغيا بينهم.
ويحتمل : أي : (وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) : أن الفرقة ضلالة وهلاك ، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (بَغْياً بَيْنَهُمْ) يحتمل : حسدا بينهم ؛ لما قيل : إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث ؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنّا منهم أنه يبعث منهم ، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به والله أعلم.
ويحتمل قوله : (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي : عدوانا وظلما يكون فيما بينهم ذلك التفرق.
وقوله : (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي : لو لا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم ،
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
