ومن الناس من يقول : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) أي : شرع لكم الدين ، ويجعل (مِنَ) صلة زائدة فيه ؛ أي : شرع لكم الدين الذي وصى به نوحا ومن ذكر ، والوجه فيه ما ذكرنا.
فإن قيل : [ما] معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا ، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدين ، وقد وصى الكل بهذا الدين.
فنقول : قال بعضهم (١) : إنما خص نوحا ومن ذكر بهذا ؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح عليهالسلام ، وإنما جاء ذلك في زمن نوح ؛ لذلك خصّ نوحا بما ذكر.
ويحتمل أن يكون ذكر هؤلاء لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء ، ولكن ذكر بعضا هاهنا ، وترك ذكر البعض ، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحا ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم ؛ بل شرع له ما وصى به هؤلاء وغيرهم من الدين ، كقوله ـ تعالى ـ : (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام : ٩٠] ذكر بعض هؤلاء وغيرهم ، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه ؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص ، لما ذكر البعض في موضع آخر ، والكل في موضع آخر ، والله أعلم.
ويحتمل تخصيص هؤلاء بالذكر لمعنى لم يطلعنا الله على ذلك المعنى ، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي صلىاللهعليهوسلم لقوله : «كما صليت على إبراهيم» (٢) لمعنى لم يطلعنا على ذلك ، والله أعلم.
وقوله : (وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) يحتمل وجهين :
أحدهما : (وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، أي : في عبادة الله ـ تعالى ـ أي : اعبدوه جميعا.
والثاني : (وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي : في الدين الذي ذكر ، وهو التوحيد ، والله أعلم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي : عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة الله وحده.
وقوله : (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) هذا ينقض على المعتزلة : إنه ـ تعالى ـ أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء ، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن ، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختارا إنما كان منه بفعله لا من الله ـ تعالى ـ وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء ، وهو يهديه ؛ فبطل قولهم.
وقوله : (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي : هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى ، وهو التوفيق ؛ أي : ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.
__________________
(١) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير (٣٠٦٣٥ ـ ٣٠٦٣٦).
(٢) تقدم.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
