والإسلام فيهن بالنكاح أرجى ـ ثبت أن ذلك كان لخبث نهوا ، وقد حرم الله الخبائث. والله أعلم.
ثم الله ـ سبحانه وتعالى ـ أخبر أنه حرم الخبائث وأحل الطيبات ، فلو لا أن فيما حرم خبثا ، يحتمل الوقوف عليه ، وفيما أحل طيبا لسوى الحرمة والحل (١) له ـ كان كذلك لم يحتمل التسمية فى وصف التحريم والتحليل هو لا غير. وهذا كما وصف المؤمن بالحياة والسمع والبصر ، والكافر بضد ذلك بما فى كل معنى ذلك ، لا أنه اسم لقب دون أن يكون له حقيقة له يسمى. فمثله الذى ذكرت.
ثم كان (الخبث) يكون من وجهين :
من خبث الأحوال ، ومن خبث الأفعال ، وله سمى الكفر (رجسا) ، وكذا الخمر والميسر ، وذلك كله بخبث الأفعال. وعلى ذلك يجوز أن يكون تحريم تزويج المسلمات المشركين لخبث الفعل : وهو خوف وقوع الكفر ؛ إذ هن يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم الدين ، فيكون التحريم لهذا الخوف ؛ إذ هو الوجه الذى عليه جرى حرمات النكاح من ذلك نحو نكاح ما كثر عددهن بقوله : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [النساء : ٣] ، فمنع عن الخمس ، وأكثر الخوف وقوع الجور الذى هو فى العقل خبيث ، ونكاح الأمة بعد الحرة ؛ إذ الطبع ينفر عن مناكحة من يخالط الرجال ويخلو بهم ، لا يؤمن عليه السفاح ، فما يؤثر مثلها عند الغناء بالحرة عنده عنها إلا لأمر حدث بينهما مما يبعث ذلك على الجور ، فنهوا عن ذلك. وكذلك نكاح المحارم بما قد يجرى من الأمور فى النكاح مما يحمل على تضييع الحدود وأنواع النشوز الذى يمنع ذلك القيام بحق النسب وصلته ، فيكون فى ذلك تضييع الفرض. وكذلك محارم المرأة ، وعلى هذا يجب تحريم المسلمة على الكتابى وغيره لخوف وقوع فعل الخبث بينهما ، وهو الكفر. ولم يقع النهى عن نكاح الزانية والزانى على ذلك ؛ لأنه ليس فى الطباع احتمال اتباع أحدهما الآخر فى ذلك الوجه بل ينفر عن ذلك أشد النفار ، فلا يخاف فيه هذا ، فهو على الأدب بما يلحق الولد الطعن وصاحبه يشتم به ، لا أن يلحقه وصفه موافقة ما ثم إلا لمكان الآخر يكون النهى نهى تحريم ، بل كان على الإرشاد بما يلحق من الطعن دون ما أن يحدث من تعدى حد أو جور فى الفعل. وعلى ذلك أمر نكاح الأمة. والله أعلم.
ثم وجه التفصيل بين الكتابية والمشركة ـ والله أعلم ـ فى إباحة التناكح : أن المشركة
__________________
(١) فى ب : واحلل.
![تأويلات أهل السنّة [ ج ٢ ] تأويلات أهل السنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3963_tawilat-ahl-alsunna-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
