بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ..). الآية [التوبة : ١٢٠] ، أنه قد يجوز التخلف عنه لعذر ، ولا يجوز الرغبة عنه بحال ، وقال فى قوله : (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ..). الآية [المائدة : ١٢] ، أن ليس كل ذلك مما يقتضى عموم الخلق وإن كان الظاهر فى الكل بالمخرج واحد ، ثم ما ذكرت من الآية دليل الفصل.
والثانى : أنه يجوز أن تكون الآية فى غير أهل الكتاب. دليل ذلك الأمر بالمعروف من التفرقة فى التسمية ، وإن كانوا فى الشرك مجتمعين ؛ قال الله تعالى : (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البقرة : ١٠٥] ، وقال : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) [البينة : ٦] ، وغير ذلك مما قد فصل (١) الله بينهم فى النسبة وإن كانوا فى حقيقة الشرك مجتمعين ، فجائز أن تكون الآية على ذلك ، ثم حرم تزويج المسلمات من أهل الكتاب لا بهذه الآية ، لكن بغيرها من الأدلة.
ألا ترى أنا لا نترك مماليك أهل الإسلام تحت أيديهم لا بهذه الآية؟! فمثله أمر الإنكاح. والله أعلم.
ثم فى الآية دليل ذلك ، وهو قوله تعالى : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ..). الآية ، وكل يجمع ألا يحل نكاح الأمة المؤمنة على الحرة الكتابية ، فلو كانت هى مرادة فى هذه الآية لكان نكاح من هو خير منها فى النكاح لا يحرم عليه ، حتى إن الذى يقول بهذا التأويل يحرم لطول الكتابية فضلا عن نكاحها. ولا قوة إلا بالله.
وقوله : (أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) دليل أن الإماء غير داخلات فى الخطاب ؛ لأنهن لا يدعون بل الغالب عليهن أن يتبعن ويجبن لمن هن تحتهم فيما دعين إليه ، لا أن يدعون. هذا الأمر المتعارف. والله أعلم.
ثم نقول : جعل كأن الآية نزلت فى الكتابيات ، فقال : «ولا تنكحوا الكتابيات» ، فإن الكتاب فى جميع ما جرى به الذكر فى حقوق النكاح والطلاق والأحكام تضمن خطاب الأحرار ، خاصة فيما أبهم ، وعرف أمر الحرمة فى الإماء والعبيد بالأدلة العقلية مما دلت عليه أحكام السمع ؛ فكذا هذا. والله الموفق.
وقوله : (وَلا تَنْكِحُوا) ، محمول على التحريم باتفاق الأمة وإن احتمل ما هو بهذا المخرج على غير التحريم ، على أن الله تعالى قد بين بقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ
__________________
(١) فى أ : فضل.
![تأويلات أهل السنّة [ ج ٢ ] تأويلات أهل السنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3963_tawilat-ahl-alsunna-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
