قال : (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها) : رجع إلى قصّة ما كانوا فيه من حسن عيشهم قبل أن يهلكهم فقال : (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ) أي : كنّا جعلنا بينهم (وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها) يعني الشام (قُرىً ظاهِرَةً) : أي متّصلة ينظر بعضها إلى بعض (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) : أي يصبحون في منزل وقرية وماء ويمسون في منزل وقرية وماء ، في تفسير الحسن. وتفسير الكلبيّ : (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ) يعني المقيل والمبيت.
(سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ) : (١٨) كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرّك بعضهم بعضا ، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحرّكه ، وكانت المرأة تمشي ومكتلها على رأسها ، وهي تغزل بيدها ، وإنّ مكتلها ليمتلئ من الثمار من غير أن تجنيها (١).
قال : (فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا) : تفسير الحسن : أنّهم ملّوا النعمة كما ملّت بنو إسرائيل المنّ والسّلوى.
وتفسير الكلبيّ : إنّهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا ، أي : حين كذّبوهم : كنّا نأبى عليكم (٢) وأرضنا عامرة خير أرض ، فكيف اليوم وأرضنا خراب.
وبعضهم يقرأها : (رَبَّنا باعِدْ) ، وبعضهم يقرأها : (بعّد) ، وبعضهم : (بعد) قال الله : (وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) : أي بشركهم (فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) : [أي : لمن بعدهم] (٣) (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) : أي بدّدنا عظامهم وأوصالهم فأكلهم التراب. (إِنَّ فِي ذلِكَ) : أي في إهلاك القرية ومن فيها (لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ) : أي على أمر الله (شَكُورٍ) (١٩) لنعمة الله ، وهو المؤمن.
قوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) : يعني جميع المشركين (فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٠) : وذلك أنّه كان يطيف بجسد آدم قبل أن ينفخ فيه الروح ، فلمّا رآه أجوف عرف أنّه لا يتمالك ، ثمّ وسوس بعد لآدم فأكل من الشجرة ، فقال في نفسه : إنّ نسل هذا سيكونون مثله في الضعف فلذلك قال : (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً) (٦٢) [الإسراء : ٦٢].
__________________
(١) في ب وع : «من غير أن تجنيه» ، والصواب ما أثبتّه. وفي سح : «وإنّ مكتلها على رأسها فيمتلئ من الثمار وما تعالج منه شيئا».
(٢) كذا في ب وع : «نأبى عليكم» ، وفي سح : «نأتي عليكم» ، وما أثبتّه أصحّ.
(٣) زيادة من سح ، ورقة ١٤٦ ، ومن ز ورقة ٢٧٧.
![تفسير كتاب الله العزيز [ ج ٣ ] تفسير كتاب الله العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3820_tafsir-kitab-allah-alaziz-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
