ثم أثنى الله ـ عزوجل ـ على يعقوب بأنه لقن مما علمه الله من هذا المعنى ، واندرج غيره فى ذلك العموم ، وقال : إن أكثر الناس ليس كذلك. ه.
(وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ) أي : ضم إليه بنيامين على الطعام ، أو فى المنزل. روى أنه أضافهم ، فأجلسهم اثنين اثنين ، فبقى بنيامين وحيدا فبكى ، وقال : لو كان يوسف حيا لجلس معى ، فأجلسه معه على مائدته ، ثم قال : لينزل كل اثنين بيتا ، وهذا لا ثانى له فيكون معى ، فبات عنده وقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال : من يجد إذا مثلك ، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، (قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ) وعرفه بنفسه ، (فَلا تَبْتَئِسْ) لا تحزن (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) فى حقنا من الأذى ، أو : لا تحزن بما يعمله فتيانى ، ولا تبالي بما تراه فى تحيّلى فى أخذك.
(فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ) ، التي هى الصواع ، (فِي رَحْلِ أَخِيهِ) ، وهى إناء يشرب بها الملك ، ويأكل فيها ، وكان من فضة ، وقيل : من ذهب. وقيل : كان صاعا يكال به. وقصد بجعله فى رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه ؛ إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه. (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ) بعد أن انصرفوا : (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) ، والخطاب لإخوة يوسف ، وإنما استحل رميهم بالسرقة مع علمه بأنهم أبرياء ؛ لما فى ذلك من المصلحة فى المآل ، وبوحي لا محالة ، وإرادة من الله تعالى عنتهم بذلك ، يقويه قوله تعالى : (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) ، ويمكن من أن يكون فيه تورية ، وفيها مندوحة عن الكذب ، أي : إنكم لسارقون يوسف من أبيه ، حين باعوه.
(قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ) أي : أىّ شىء ضاع منكم؟ والفقد : غيبة الشيء عن الحس. (قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ) الذي يكيل به ، أو يشرب فيه ، (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) من الطعام ، (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) كفيل أؤديه إلى من رده. وفيه دليل على جواز الجعل ، وضمان الجعل قبل تمام العمل. قاله البيضاوي.
(قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ) فيما مضى ، استشهدوا بعلمهم بديانتهم على براءة أنفسهم ؛ لما عرفوا منهم من الديانة والأمانة فى دخولهم أرضهم ، حتى كانوا يجعلون الأكمة فى أفواه إبلهم ؛ لئلا تنال زرع الناس ، (قالُوا فَما جَزاؤُهُ) أي : السارق ، (إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ) فى ادعاء البراءة. (قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ) ؛ يحبس فى سرقته ، ويسترقّ للمسروق منه ، وهذا كان قصد يوسف عليهالسلام ، وهى كانت شريعة يعقوب ، وكانت أيضا شريعتنا فى أول الإسلام ثم نسخ بالقطع. ثم قالوا : (كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) بالسرقة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
