ثم أمر نبيه بالإغلاظ على المنافقين ، فقال :
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤))
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ) بالسيف ، (وَالْمُنافِقِينَ) باللسان ؛ بإلزام الحجة وبإقامة الحدود ؛ ما لم يظهر عليهم ما يدل على كفرهم ، فإن ظهر عليهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق ، فيقتل على المشهور. (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) بالقول والفعل ، إن استوجبوا ذلك ، ولا تراقبهم ، (وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي : المرجع ، مصيرهم.
(يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا) ، روى : أنه صلىاللهعليهوسلم أقام فى غزوة تبوك شهرين ، ينزل عليه القرآن ، ويعيب المتخلفين ، فقال الجلاس بن سويد : لئن كان ما يقول محمد فى إخواننا حقا لنحن شرّ من الحمير ، فبلغ النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ فاستحضره ، فحلف بالله ما قال ، فنزلت ، فتاب الجلاس وحسنت توبته (١).
قال تعالى : (وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) ، يعنى : ما تقدم من قول الجلاس ، أو قول ابن أبىّ : سمن كلبك يأكلك ، أو : (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ) ... الآية. (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) ؛ وأظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام ، ولم يقل : بعد إيمانهم ؛ لأنهم يقولون بألسنتهم : آمنا ، ولم يدخل فى قلوبهم ، (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) من قتل النبي صلىاللهعليهوسلم وهو : أن خمسة عشر منهم توافقوا ، عند مرجعه من تبوك ، أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي ، إذا وصل إلى العقبة بالليل ، فأخذ عمّار بن ياسر بخطام راحلته يقودها ، وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هم كذلك إذ سمع حذيفة تقعقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح ، فقال : إليكم إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا (٢). أو : هموا بإخراجه من المدينة ، أو إخراج المؤمنين ، أو هموا بأن يتوّجوا عبد الله بن أبىّ ، وإن لم يرض رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فلم ينالوا شيئا من ذلك.
__________________
(١) أخرجه البيهقي فى الدلائل (باب مرجع النبي صلىاللهعليهوسلم من تبوك) عن عروة بن الزبير.
(٢) أخرجه بنحوه أحمد فى المسند ٥ / ٤٥٣ عن أبى الطفيل. والبيهقي فى الدلائل (باب رجوع النبي صلىاللهعليهوسلم من تبوك) عن عروة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
