أن يكون لتعدد الموعود لكل واحد له ، أي : فكل مؤمن ومؤمنة له جنات ومساكن أو للجميع ؛ على سبيل التوزيع ، أي : فالجنات والمساكن معدة للجميع ، ثم يقسمونها على حسب سعيهم فى الدنيا ، أو إلى تغاير وصفه ـ أي : الموعود ـ فكأنه وصفه أولا بأنه جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها ؛ لتميل إليه طبائعهم أول ما يقرع أسماعهم. ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش ، معرى عن شوائب الكدرات التي لا تخلو عن شىء منها أماكن الدنيا ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات فى جوار رب العالمين ، لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير.
ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال : (وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ) ؛ لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة ، والمؤدى إلى نيل الوصول والفوز باللقاء. وعنه صلىاللهعليهوسلم : «إن الله تعالى يقول لأهل الجنّة : هل رضيتم؟ فيقولون : ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا : وأيّ شىء أفضل من ذلك؟ قال : أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم أبدا» (١). (ذلِكَ) أي : الرضوان ، أو جميع ما تقدم ، (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها. ه.
الإشارة : قد أعد الله لأهل الإيمان الحقيقي ؛ الذين بذلوا مهجهم وأموالهم فى مرضاته ، جنات المعارف ، تجرى من تحت أفكارهم أنهار العلوم والحكم ، ومساكن طيبة ، هى : عكوف أرواحهم فى الحضرة ، متلذذين بحلاوة الفكرة والنظرة ، فى محل المشاهدة والمكالمة ، والمساررة والمناجاة ، ورضوان من الله ، الذي هو نعيم الأرواح ، أكبر من كل شيىء ؛ لأن نعيم الأرواح أجلّ وأعظم من نعيم الأشباح ، حتى إن المقربين ليضحكون على أهل اليمين ، حين يرونهم يلعبون مع الولدان والحور ، كما ذكر الغزالي. وأما المقربون فيشاركونهم فى ذلك ، ويزيدون عليهم بلذة الشهود.
قال القشيري ، عند قوله تعالى : (إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ) (٢) : إنه لا تنافى بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم وبين شهود مولاهم ، كما أنهم اليوم مستلذون بمعرفته بأى حالة هم فيها ، ولا يقدح اشتغالهم بحظوظهم فى معارفهم. انتهى لفظه ، وهو حسن. والله تعالى أعلم.
__________________
(١) أخرجه البخاري فى (الرقاق ، باب صفة الجنة والنار) وفى مواضع أخرى ، ومسلم فى (الجنة ، باب : إحلال الرضوان على أهل الجنة) من حديث أبى سعيد الخدري ـ رضى الله عنه ـ.
(٢) الآية ٥٥ من سورة «يسن».
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
