معرفة ذات الله ، العلماء لإصلاح الظواهر ، والأولياء لإصلاح البواطن ، ولا يقوم هذا إلا بهذا ، فالظاهر من غير باطن فسق ، والباطن من غير ظاهر إلحاد ، وسيأتى عند قوله : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...) (١) الآية ، تمثيل منزلتهم عند الله. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر ضدهم ، فقال :
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣))
قلت : أصل الاستدراج : الاستصعاد ، أو الاستنزال درجة بعد درجة ، ومعناه : نسوقهم إلى الهلاك شيئا فشيئا.
يقول الحق جل جلاله : (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) ، وألحدوا فى أسمائنا ، (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) أي : ندرجهم إلى الهلاك شيئا فشيئا ، (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) ما نريد بهم ، وذلك أن تتواتر النعم عليهم ، فيظنوا أنها لطف من الله بهم ، فيزدادوا بطرا وانهماكا فى الغي ، حتى تحق عليهم كلمة العذاب. (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي : وأمهلهم ، أي : وأمدهم بالأموال والبنين والعدة والعدد ، حتى نأخذهم بغتة ، (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) أي : أخذي شديد ، وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.
الإشارة : قال الشيخ زروق رضى الله عنه : الاستدراج : هو كمون المحنة في عين المنة ، وهو من درج الصبى ؛ إذا أخذ فى المشي شيئا بعد شىء ، ومنه : الدرج الذي يرتقى عليه إلى العلو ، كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئا بعد شىء وهو لا يشعر. قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ). ه. فالاستدراج ليس خاصا بالكفار ، بل يكون فى المؤمنين ؛ خواصهم وعوامهم.
قال في الحكم : «خف من وجود إحسانه إليك ، ودوام إساءتك معه ، أن يكون ذلك استدراجا لك ؛ (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ)». وقال سهل بن عبد الله رضى الله عنه : نمدهم بالنعم ، وننسيهم الشكر عليها ، فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم : أخذوا.
وقال ابن عطاء رضى الله عنه : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة ، وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة. وقال الشيخ ابن عباد رضى الله عنه : الخوف من الاستدراج بالنعم من صفة المؤمنين ، وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفة الكافرين. يقال : من أمارات الاستدراج : ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة ، وحمل تأخير العقوبة على استحقاق الوصلة ، وهذا من المكر الخفي. قال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) أي : لا يشعرون بذلك ،
__________________
(١) من الآية ١٢٢ من سورة التوبة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
