فى الذنوب ، والإصرار على المعاصي ، وعلامته : الفرح بتيسير العصيان ، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان ، ومسخ الأرواح : الانهماك فى الشهوات ، والوقوف مع ظواهر الحسيات ، أو تكثيف الحجاب ، والوقوف مع العوائد والأسباب ، دون مشاهدة رب الأرباب. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر عقوبة بنى إسرائيل فى الدنيا ، فقال :
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧))
قلت : تأذن : أعلم ، وهى تفعل ، وهى من الإيذان بمعنى الإعلام ، كتوعّد وأوعد ، أو : عزم ، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله ، وأجرى مجرى القسم كعلم الله وشهد الله ، ولذلك أجيب باللام القسمية.
يقول الحق جل جلاله : (وَ) اذكروا (إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أي : أعلم وأظهر ذلك فى عالم الشهادة ، (لَيَبْعَثَنَ) على بنى إسرائيل ، أي : ليسلطن (عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ) ؛ كالإذلال وضرب الجزية ، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان عليهالسلام بختنصر ، فخرب ديارهم ، وقتل مقاتلتهم ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وضرب الجزية على من بقي منهم ، وكانوا يؤدونها إلى المجوس ، حتى بعث الله نبينا محمدا صلىاللهعليهوسلم ففعل بهم ما فعل ، فى بنى قريظة والنضير وخبير ، ثم ضرب الله عليهم الجزية إلى آخر الدهر ، (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ) فعاقبهم فى الدنيا ، (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لمن تاب وآمن ، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما فى آخر الأنعام (١) ، لأن ما هنا فى اليهود ، وما فى آخر الأنعام فى المؤمنين ، فأكد ما هنا باللام ، فقال : (لَسَرِيعُ الْعِقابِ) ؛ زيادة فى توبيخهم ونكالهم.
الإشارة : مواطن الذل والهوان هو الانهماك فى المخالفة والعدوان ، وقد ينسحب ذلك فى الذرية إلى آخر الزمان ، فإن الله تعالى يقول : أنا الملك الودود ، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود ، ومواطن العز والحرمة والأمان : هو الطاعة والتعظيم والإحسان ، ينسحب ذلك على الأحفاد ، إلى منتهى الزمان ، فإن الله تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد. وقد تذاكر بعض التابعين ما يكون فى آخر الزمان من الفتن والفساد ، فقال بعضهم : يا ليتنى كنت عقيما أو لم أتزوج ، فقال له من هو أكبر منه : ألا أدلك على ما يحفظ الله به عقبك؟ قال : نعم ، دلنى ، قال : قوله تعالى : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً ...) الآية (٢). وبالله التوفيق.
__________________
(١) فى قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) الآية الأخيرة من سورة الأنعام.
(٢) الآية ٩ من سورة النساء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
